كما أن ما عاناه من الآمال الكاذبة/ الأوهام قد دفعه إلى انكسار صفة الملح المحسوس وبذلك عبر عن جذر الغربة الضارب في أعماق روحه المنكسرة.
لا يخرج أداء الشعراء الرواد عن واحد من ثلاثة مستويات هي: الأداء بالكلام المحكي، والأداء بالموروث، أما الأداء الثالث فهو الذي تحرر من كليهما. على أننا حين نشير إلى مثل تلك المستويات، فإننا لا نقصد التقاطع والاستقلالية في النص الواحد. إذ أننا نجد تلك المستويات مجتمعة في نص واحد. وما هذا التقسيم إلا لغرض الدراسة النقدية.
الأداء بالكلام المحكي:
يبدو أنه لا بد من الاحتراس ونحن نتناول الكلام المتداول أو المحكي، لبيان ما هو المقصود بهذا النوع من الكلام. لقد كان استخدام لغة التخاطب اليومية جزءًا من بيان المدرسة الرومانسية، فخلافًا لما درجت عليه المدرسة الكلاسية من تقسيم الألفاظ على وفق تقسيم طبقات المجتمع، فإن الرومانسية لا تفرق بين كلمات وأخرى"فلا وجود لكلمات نبيلة وأخرى مبتذلة، بل يمكن أن يكون للكلمات المألوفة المبتذلة معنى رفيع يسمو بها في موضعها من الصورة إلى مالا يصل إليه سواها من الكلمات" [1] . كما لا يخفى أن المدرسة الواقعية دعت هي الأخرى إلى استعمال لغة التخاطب تقربًا من الجمهور. وهنا ينبغي ملاحظة عدة أمور أساسية ومهمة: فاستخدام المفردات لا يتم في ضوء فصاحتها من عدمها وإنما على وفق حاجة الشاعر الانفعالية/ الفنية المزدوج، والشاعر الفنان هو القادر على إعادة خلق المفردة وتحويلها إلى طاقة شعرية إيحائية كبيرة تنفتح على ثراء معنوي وتصويري لا حدود له. كما أن ما قصده شعراء كبار مثل ورد زورث واليوت إلى إيصال الشعر بلغة التخاطب أريد منه بالتحديد"المادة الغفل"في بيئة هذه اللغة على حد تعبير اليوت [2] .
(1) دراسات ونماذج من مذاهب الشعر ونقده، د. محمد غنيمي هلال، ص 86
(2) ينظر: قضية الشعر الجديد، د. محمد النويهي، ص 22