لقد دخلا، إذن، العصر العربي الحديث وهما في منفاهما فقد حدثته بذلك بعد مبارحتهما متحف اللوفر. ويتكرر طيف عائشة في قصيدة (( ميلاد عائشة وموتها ) ) [1] فتحدِّثُ الشاعر عن قصة حبها مع آشور بانيبال الذي أحبّها (( وبنى من حولها الأسوار ) )ولكنها لم تبادله الحب لأنها تكره القسوة والقهر اللذين اتسم بهما سلوك ذلك العاشق، وبذلك ينتهي مصيرها إلى أن تباع (( في سوق الرقيق ) )حالمةً (( بالقرنفل الأحمر في حدائق الفرات ) ).
لقد كان رمز عائشة صرح هذا البناء الشعري الحافل بالصور، والإشارات، والمواقف التي استطاع البياتي من خلالها أن يبعث الروح التي افتقدها الشرق، في الأرض (( التي فقدت عذريتها ) ). [2]
يقول البياتي عن القناع (( هو الاسم الذي يتحدث من خلاله الشاعر نفسه متجردًا من ذاتيته، أي أن الشاعر يعمد إلى خلق وجود مستقل عن ذاته، وبذلك يبتعد عن حدود الغنائية والرومانسية التي تردّى أكثر الشعر العربي فيها ) ) [3] ، فالقناع على وفق هذا التوصيف (( شخصية فنية ممثلة بحيث تكون عناصرها حوامل للحقيقة المجاز ) ). [4] وشعراؤنا الرواد هم الذين أسسوا هذا القناع، (( ولعل قصيدتي بدر شاكر السياب تموز جيكور، و المسيح بعد الصلب، هما البدايات الناضجة الأولى لفكرة القصيدة القناع ) ). [5]
على أن البياتي حقق في القناع مستوى نوعيًا رفيعًا بسبب تطوافه الدائم في العالم، وفي مدن التاريخ، وطقوس الحضارات، ونزعته المغامرة في التجريب، ممّا أفصح فيه (( عن روح درامية متأزمة تقيم حوارًا مع العالم، وتتمثل في أساليب متطورة، وقصائد تتخذ لها دورات متعاقبة، وتتطلع دومًا إلى أشكال من التعبير تسابق الزمن في تجددها المستمر ) ). [6] وهنا نستطيع أن نقول مع الدكتور احسان عباس أن (( البياتي كان أسبق المجددين إلى تغيير طبيعة المحتوى في ذلك الشكل ) ) [7]
(1) نفسه: 3/ 135.
(2) شجرة الرماد، د. وفيق رؤوف، 116.
(3) تجربتي الشخصية، 2/ 37.
(4) الرؤيا في شعر البياتي، محيي الدين صبحي، ص 10.
(5) دير الملاك، د. محسن اطميش، ص 105.
(6) الشعر والزمن، د. جلال الخياط، 103 - 104.
(7) اتجاهات الشعر العربي المعاصر، د. احسان عباس، ويريد بالشكل الجديد الشعر الذي اشترك في ريادته نازك الملائكة وبدر شاكر السياب.