فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 170

وأعيدي لي صدى أيامية ... يوم رفّتْ فوق آمال غُرَرْ

جدديها وابعثيها ثانية ... ذكرياتِ تتمطى في خَوَرْ [1]

استعادة الماضي والمدينة الحلم:

للماضي نكهة خاصة عند الإنسان، لا سيما ذلك الذي أثقلت أحزان الحاضر كاهله، وأخذ الاغتراب بخناقه، فالماضي على وفق هذا التصور مرفأ يرتاده الشاعر فرارًا من الألم، والتماسًا للراحة وإن كانت في الحلم والخيال.

جيكور هي مرفأ السياب المريض، الفقير، المحروم. وهي مدينة/ الحلم التي عجز الزمن أن يمحوها من ذاكرته، لأنها اقترنت عنده بالبراءة، والصفاء، والطهر، فهي (( نافورة من ظلال، ومن أزاهير، ومن عصافير، وحقل من النور ) )ارتادها طفلًا، وصبيًا يطارد الفراشات تحت أفيائها [2] ولذلك دعاها أمه [3] ، وساءه أن يذوي شبابها، بعد غيابه، ويصبح عنفوانُها رمادًا، [4] ولكنه، بخياله المتوقد، وعشقه الأسطوري لها، يجعل منها جنته، التي تنتظر بعثها على يديه، يقول الشاعر:

جيكور ... ستولد جيكورُ

النَوْرُ سيورق والنُورُ

جيكور ستولد من جرحي

من غصّة مواتي، من ناري

سيفيض البيدر بالقمعِ

والجرْن سيضحك للصبح [5]

إن اغتراب الشاعر الروحي خارج الوطن، وفي داخله، تعاد له عودته إلى جيكور بصورتَيْها: الخضراء والجرداء، وفي عودته تلك يثوى أمله الوحيد في استعادة عافيته وتجاوز غربته، وربّما استطاع السياب أن يؤسس باسم جيكور (( يوتوبيا ) )قروية له، حين خلق منها ومن بويب رمزين حيين خالدين ارتبطا باسم (( بدر الذي من جيكور ) ) [6] تمامًا (( كما ارتبط نهر(إيفن) باسم شكسبير، ومنابع

(1) ديوانه، خفقة الطين، ص 1198 - 120.

(2) ينظر: ديوانه، المعبد الغريق، 1/ 186.

(3) ينظر: ديوانه شناشيل ابنة الجلبي، 1/ 656.

(4) ينظر، ديوانه، المعبد الغريق، 1/ 217.

(5) ديوانه، أنشودة المطر، 1/ 411.

(6) النفح في الرماد، د. عبد الواحد لؤلؤة، ص 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت