نهر (دف) بذكرى ورد زورث ... )) . [1] فحين حاربته المدينة في وطنه، وطعنته في صميم أحلامه وأسلمته للمرض والفقر، وحين عجزت المدن العربية، والغربية عن مداواته، ولم تقدم له سوى الوعود الكاذبة بالشفاء، كانت جيكور (( مدينته الفاضلة الصغيرة ) )التي عالجته بالحلم، والحلم وحده، فليس للشاعر من مرفأ أخير يقضي فيه بقية حياته: سوى الحلم. وكما كانت جيكور ماضيه وحاضره وغده، فإنّ الحلم هو أزمانه الثلاثة.
وتهرب نازك إلى ماضيها الغنيّ بالسعادة، والصفاء، والطهر، ففيه تثوي ذكرياتها البيض، وحق لها أن تأسف عليه، فهو ماضٍ (( إلهيّ ) )لم يعرفه البشر، تسامى على زمن الآخرين، المجبول بالزيف، والتفاهة، واتصف بالنقاء، والبراءة قبل أنْ يداهمها الحاضر الطينيّ البليد، تقول الشاعرة:
أين مني حرارة الأمس، والحاضر يمشي بين الأسى والخمودِ
أسفًا للماضي الإلهي هل ماتتْ أغانيه في فؤادي الوحيدِ [2]
إن تمسك الشاعرة بماضيها الإلهي يعود إلى أن (( الحب الإلهي ) ) [3] جزء من ذلك الماضي، والمفارقة في الأمر: هي أن ذلك الماضي (غير الإنسي) لم يعرف الاغتراب، في الوقت الذي غرق فيه حاضره اللاإلهي- البشري، في الاغتراب الروحي، وحين تستدعي الشاعرة ماضيها فكأنها تستدعي المنقذ الذي ينتشلها من بحر الغربة والضياع.
أما مدينتها الحلمية فهي تقيمها حيث تطمئن ذاتها القلقة المشبعة بالاغتراب، إلى ما تراه وتحسه من معانٍ، وموجودات، ومرئيات تتناغم وما تحلم به.
فقد وجدتها مرة في الشمال، تقول:
تفجّري بالجمالْ
وشيدي يوتوبيا في الجبال
يوتوبيا من شجرات القممْ
ومن خرير المياهْ
يوتوبيا من نغمْ
نابضة بالحياةْ [4]
(1) المكان نفسه.
(2) ديوانها، عاشقة الليل، 1/ 563.
(3) يُنظر: نفسه، 1/ 564.
(4) ديوانها، شظايا ورماد، 2/ 153.