ويعتقد الباحث أن هذه الـ (( يوتوبيا ) )مؤقتة، لأنها وليدة انبهار عابر أملتْهُ (( عين الماء الثلجية المنحدرة بين صخور سرسنك الملونة ) )، [1] لأن ما تحلم به الشاعرة لا يمت إلى الواقع بصلة، وإنما ينتمي إلى العالم اللامحسوس، حيث تعيش روحها خارج الوجود البشري المألوف، تقول الشاعرة:
ويوتوبيا حلم في دمي ... أموت وأحيا على ذكره
تخيلته بلدًا من عبير ... على أفق حرت في سرّه
هنالك عبر فضاء بعيد ... تذوب الكواكب في سحره
يموت الضياء ولا يتحققُ ... ما لونه ما شذى زهره
هنالك حيث تذوب القيود ... وينطلق الفكر من أسره
وحيث تنام عين الحياة ... هنالك تمتد يوتوبيا [2]
إن عزلة الشاعرة التامة هي التي تلهمها هذا الحلم، المستحيل، ولكنه في الوقت نفسه، هو عزاء الشاعرة، في مواجهته اغترابها، والتخفيف من وطأتها.
والبياتي الذي فتح عيونه (( على عالم نصفه ميت ) ) [3] كما يقول، لا يرى في ماضيه إلا الذكريات الحزينة، فربما كان وعيه يقظًا إلى الحد الذي حال بينه وبين الاستمتاع بمرحلة الشباب كالآخرين. وربما -أيضًا- لأن غربته المكانية خارج الوطن كانت مبكرة له من جهة، وطويلة من جهة أخرى. فإذا تذكر زوجته -وهو في منفاه- تذكر صحراء حياته، وجراح قلبه، [4] وإذا تذكر ولده، قرن غربته في بلد الثلج، بلوعة زوجته يوم الوداع، [5] أما اشتياقه إلى بغداد فيعيده إلى سجن بغداد والنخلة التي كانت تتوسطه. [6] ولكنه وهو محاصر باغترابه المكاني، وفي لحظات انفعالية حادة، إذ ينسى طموحه الشخصي، ويتمرد على مكابرته وكبريائه، يعود إلى ماضيه، إلى وطنه، فيرى جمال الوطن، بإزاء وحشة أوربا، يقول الشاعر:
سماء أوربا بلا نجومْ
لا تذكري بالخير أو بالشرِ
(1) المكان نفسه، مقدمة القصيدة (( يوتوبيا في الشمال ) ).
(2) نفسه، ص 36 - 37.
(3) ديوانه، أباريق مهمشة، 1/ 226.
(4) ينظر: ديوانه، المجد للأطفال والزيتون، 1/ 314.
(5) ينظر: نفسه، 334.
(6) ينظر: ديوانه، كلمات لا تصوت، 1/ 565.