وفي قصيدة (( انتظار ) )يحشد بلند الحيدري ألفاظًا عدة اغترابية ليرسم منها لوحة قائمة:
يمشي الشتاء بغرفتي متعثرًا بظلامها
والدفء مشلول القوى جاثٍ على أقدامها
والليل داجٍ
ورياح كانون الكئيبِ
تبادلُ القلب اكتئابي [1]
لقد صوّر الشاعر الطبيعة وقد توحدت مع قلقه واكتئابه فلم يعد ثمة فاصلة بين الشاعر وبين الطبيعة، فالغربة شديدة الوطأة ليس على الشاعر فحسب وإنما على الشتاء أيضًا وهو ما قصده الشاعر من خلال تجسيد الصور بصفات محسوسة: (متعثرا بظلامها) و (فوق رغامها) و (العواصف نائحات خلف بابي) إلى جانب الصور المدركة معنى:"الدفء مشلول القوى"و"جاث على أقدامها"و"قلقا يمرغ ضوءه المخنوق".
في كل شاعر مغترب نفس رومانسي هو"محور الذات الحالمة حين تلجأ إلى الهروب من قسوة واقع خارجي، يصبح احتماله .. أكثر من أن يطاق" [2] والطبيعة أحد ملاذات شعرائنا الرواد في المرحلة الأولى من اغترابهم في أقل تقدير، فربما كان (عالم الطبيعة البريئة مصدر راحة) [3] الشاعر الحزين (بعيدًا عن التعقيد والتكلف والرياء الذي يلازم الحياة المادية) [4] فحين ينقطع ما بين الإنسان والإنسان، وعندما يضيق المكان أو الزمان بالشاعر، يقيم هذا فضاءه في داخل ذاته، أو يقيمه خارجها في غابة، أو في كوخ، أو في ريف ناءٍ، ولذلك فلا غرابة إذا ما امتزجت"مشاعر القربى بين الشاعر وبين الطبيعة الريفية بمشاعر الغربة وينصهر لديه الحنين والتمرد في بوتقة إبداعية واحدة" [5] فليست الطبيعة إلا صورة لحياتنا النفسية.
(1) ديوانه خفقة الطين، 132 - 133.
(2) علي محمود طه، الشاعر والإنسان، أنور المعداوي، ص 3
(3) مواكب جبران، نص وتحليل، د. عناد غزوان، م الأقلام، ع 7، تموز، 1987 - ص 80 - 81
(4) المكان نفسه.
(5) واقع القصيدة العربية، الدكتور محمد فتوح أحمد، 114.