يقال ما أتعس ما يقالْ
فبيتُنا كئيبْ
تنعبُ في وحشتهِ الظلالْ
ودربنا غريبْ
قد هجرتْ سمرته الأطفالْ [1]
الفعل"تنعب"هو الدال على الصوت، وعلى الرغم أن الشاعر لم يكرره، فقد شحن الصورة الشعرية بما أراد الشاعر من زخم انفعالي يعبر بدقة عن قلقه وحزنه، على مدينته، لا سيما أن الشاعر استعمله في تركيب استعاري مؤثر"تنعب الظلال"فقد جسد"الظلال"وكأنها"أغربة"سود استوطنت خرائبها. ونلحظ في النص نفسه تكرار الفعل"يقال"سبع مرات لتضخيم الحدث، وقد لعب التكرار إلى جانب الاستعارات الخمس التي وردت في النص، دورًا في تأكيد الأخبار التي أقضّت مضجع الشاعر، وملأت حياته بالظلال القاتمة، وبذلك يقف المتلقي على الاغتراب الذي يعيشه الشاعر، ويستشعر حجم عذابه.
إلى جانب ما مر من عناصر المعجم الشعري فقد وجد الباحث أن الشعراء الرواد يكثرون من تبادل المحسوس والمعنوي، فيتحول المعنوي إلى محسوس قصد تجسيد تجربة الشاعر الانفعالية واستكمال بناء الصورة الشعرية، والتأثير في المتلقي، فلم توجد اللغة إلا"للتعبير والتوصيل والتأثير" [2] .
يقول السياب في قصيدة"اتبعيني":
أمس جاء الموعد الخاوي .. وراحا
يطرق الباب على الماضي، على اليأس .. عليا [3]
فقد منح الشاعر الموعد الخاوي صفة الكائن الحي الذي يطرق الباب وبذلك عبر عن خيبته في موعد خاو لم يتحقق.
وتوغل نازك الملائكة في هذا المظهر الفني لأنها لا ترى في الحياة غير التفاهة والعدم لذا فقد اكسبت غربتها الروحية صفة الكائنات المحسوسة فالذنوب، والحماقات، تبكي تحت وطأة الحزن الكبير، والندم العظيم:
(1) ديوان خطوات في الغربة ص 80
(2) التركيب اللغوي في شعر السياب، د. خليل العطية، 145.
(3) ديوان أزهار وأساطير 1/ 36