فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 170

في النص: تلتقط ذات الشاعرة الحزينة في سكون الليل المهيب أصواتًا شتى تثير الشجى، وتستثير الوجدان، وتبعث على الحزن والتأمل، من همس ووقع وأنين وآهات وغناء ونواح، وكلها ألفاظ أشاع خروجها إلى دلالات مجازية جوا من الرهبة الممزوجة بالحزن الشفيف. ففيما اعتزلت الشاعرة المجتمع، اصطنعت لنفسها هذا المحراب المسكون بالتوجس، واتخذت من اليمام، والمطر، والقمرية، والطاحونة سمّارًا لها في وحشتها.

أما عند البياتي فإن ألفاظ الصوت تأخذ منحى آخر ليس له القتامة التي نستشعرها عند السياب والملائكة:

دقّت الساعاتُ في قلب الضبابْ

نبحتْ عبر الميادين الكلابْ

وأنا أدفن رأسي في كتاب

ابدًا اسمعك الليلة عبر ألف باب [1]

أبدا تنعب في الأرض الخرابْ

أبدا تأكل من لحمي

وتستلقي على صدري اضطرابْ

أيها المستنقع الآسن يا صوت الغرابْ

قدمي غاصت بأوحالك

يا صوت الغراب [2]

تظهر الأفعال دّق -نبح- تنعب بدلالاتها المعجمية ولذلك قصرت عن أداء دور أكثر فاعلية في إيضاح الصورة، وتجسيد حنين الشاعر، ولكن الشاعر يستدرك هذا القصور فيركز على الغراب ودلالته الشؤمية فصولهُ مستنقع آسن، وقدم الشاعر تغوص بأوحال هذا المستنقع وبذلك يكون النصف الثاني من النص الشعري -وبسبب النسبة البلاغية- قد اقترب من حالة الشاعر النفسية.

ويبدو أن بلند الحيدري لم يحفل كثيرًا بألفاظ الصوت ولذلك فقد ندرت في شعره، ولكنه حين يستعملها فبطاقة ايحائية بالغة، يقول الشاعر في قصيدة"إلى مدينتي":

(1) يلحظ اختلال الوزن

(2) ديوانه النار والكلمات 1/ 649 - 650

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت