للشاطئ حيث حصاد نجومي وزروعي [1]
وإذا كان صحيحًا أن الماجنين (( حين يزهدون يصير شعرهم قيثارة تندب بأوتار الندم والخوف ) ) [2] فإن الملحدين إذا ما استيقظ فيهم الإيمان سيعودون إلى الله ضارعين بقلوب خاشعة، ونفوس متبتّلة، وهذا هو حال الشاعرة بعد سنين من القلق، والحيرة والتيه تعود إلى حبيبها ومليكها، تقول:
حبُّهُ حبُّ مليكي رحلة في اللانهاية
وجهُهُ يستغرق الكون، ومن آفاقِهِ تبدأ لي كلُّ بداية [3] .
إنّه الوجد الصوفي (( والوجد حالة من الصفاء الروحي يستغرق فيه الصوفي عن حواسه ) ). [4] وقد لحظ الباحث أن معجمها الشعري ما يزال حافلًا بألفاظ الغربة مثل الغيبوبة، والتيه، ولج البحور، والخفايا، والمضيّع، والاغتراب، وما تزال قصائدها تنضح غربة على الرغم مما فيها من عذوبة الوجد، وعظم المجاهدة تقول مثلًا:
أهيم مضيّعةً في شعاب القصيدةِ عبر شوارعْ
وأضرب في سككٍ ومزارعْ
تفاصيلْ وجهِك مختومة بالضبابْ
وروحيَ مختومة بالمدامعْ
محجّبةٌ في سواد براقعْ
وقلبي اغترابْ [5]
ويرى الباحث أن عودتها إلى الإيمان خفّت من حدة اغترابها، ولم تنفِهِ، فقد دخلت في أقنوم التصوف والزهد إلى حد ما، و (( الزاهد والمتصوف غريب في عصره، غريب بعزلته وتفكيره، غريب بروحه التي تبغي الانعتاق ) ). [6]
ما كان للبياتي ليستمر في ثوب الثوري المنتمي، وهو الذي يعيش المتغيرات
(1) ديوانها، للصلاة والثورة، ص 120.
(2) التصوف الإسلامي في الأدب الأخلاق، د. زكي مبارك، 1/ 75.
(3) ديوانها، يغير ألوانه البحر، ص 136.
(4) الشعر الصوفي، عدنان حسين العوادي، ص 95.
(5) ديوانها، يغير ألوانه البحر، ص 111. وتنظر قصائدها: سنابل النار، والسما على غابة الصبير، وتمتمات في ساحة الإعدام، والسفر في المرايا الدامية، وصور وتهويمات أمام أضواء المرور، وكلها كتبت في العام 1974، ديوانها يغير ألوانه البحر، 118 - 141 - 160 - 171 على التوالي.
(6) الحنين والغربة في الشعر العربي الحديث، د. ماهر حسن فهمي، ص 109