فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 170

لا يخفى أن للشعر مهمة جليلة (( ولولا هذا الجلال لما عُدَّ الشاعر بمنزلة النبي ) [1] ولأن الشاعر على وفق هذا الرأي (( صاحب رسالة مهمة في حياة الجماعة، فمن البديهي أن يكون أكثر من غيره خبرة وحساسية ) ). [2] من هذا المنطلق كان للشعراء الرواد دورهم في خدمة مجتمعهم من خلال دورهم السياسي دفاعًا عن حقوق الوطن والأمة. وهم وإن اختلفت وسائلهم، وتباينت وجهات نظرهم حول المنهج والأداة، إلا أن عملهم السياسي تجوهر في خدمة مصلحة الجماعة وفي الوقت الذي تشابهت فيه بدايات السياب والبياتي وبلند الالتزام بتنظيم سياسي محدد فإن تجربة نازك تخطت التنظيم الحزبي إلى أفق وطني وقومي أشمل.

أما السياب فربما تحمل من آلام العمل السياسي وإخفاقاته أكثر مما تحمله الآخرون من الشعراء الرواد: فقد دخل المعتقلات وأكل (( مع الضحايا في صحاف من دماء ) )وشارك (( الفم المسلول) وعاءه، وشم (ماسلخ الجذام من الجلود ) )على ردائه. [3] كما فصل من وظيفته وعرف الحاجة والفقر، وانتهى به الأمر مُطارَدًا خارج وطنه في إيران، ثم في الكويت، حيث عاش فترة ذاق فيها ذل الغربة وانكسار النفس ووحشة الروح. [4] وهناك حيث تضيق به سبل العيش، يعيش غربتين: نفسية ومكانية قد يعجز عن احتمالهما أي إنسان مهما كان حظه من الجلد والعزم، فما بالك بالسياب وهو من عرف بالإحساس المرهف، والجسد النحيل، ولقد كانت قصيدته (( غريب على الخليج ) )نشيد كل المكافحين عن أوطانهم، ففيها تتجلى غربته الحادة. كما يتجلىإيمانه بوطنه، إلى جانب ذل حاله، يقول الشاعر:

الريح تلهث بالهجيرة كالجثام على الأصيلْ

وعلى القلاع تظل تُطوى أو تُنشر للرحيلْ

(1) مفهوم الشعر، دراسة في التراث النقدي، د. جابر عصفور، ص 288.

(2) المكان نفسه.

(3) ينظر: ديوانه أنشودة المطر، 1/ 443.

(4) ينظر: بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر، عبد الجبار داود البصري، ص 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت