زحم الخليج بهن مكتدحون جوابوّ بحارِ
من كل حافٍ نصفِ عاري [1]
وتمضي القصيدة في استذكار الماضي، والتقاء الشاعر بوجه أمه، وعودته طفلًا يخاف الأشباح بين النخيل وقت الغروب، ثم صبيًا وهو يستمع إلى أقاصيص السمّار، حتى إذا يلتفت إلى حاضره الموجع يتفجّر حنينه إلى العراق فيتوق إلى ليلة صيفية ينام فيها على الوسادة. شاكيًا ما يقاسيه في غربته من عطف الأجانب، وبؤس حاله. [2]
إن ما أراده الباحث من نثر هذه القصيدة هو بسط حال الشاعر الذي سيؤول به إلى الخروج على التنظيم، فربما اعتقد السياب أنّ انتسابه إلى هذا التنظيم بالذات هو الذي أدى به إلى التشرد، ومعاناة ماعاناه من آلام، لعلها كانت السبب -فيما بعد- في مرضه. وإذا صح أن تاريخ القصيدة هو العام 1953 كما هو مثبت في ذيلها، [3] فهو العام نفسه الذي شهد خروج بدر من التنظيم: فقد انتسب بدر للحزب عام 1945 وظل فيه لمدة ثماني سنوات، [4] ، ومايهم الباحث هنا هو أن خروجه على التزامه ضاعف غربته الاجتماعية الفكرية التي كان يعاني منها من قبل، فقد جرَّ عليه خصومات جديدة وأثار على موقفه أكثر من شبهة، هذا بالإضافة إلى أن انتكاسة الوضع السياسي بعد ثورة 14 تموز من عام 1958، وانقسام الحركة الوطنية، أصابت الشاعر ببعض الشظايا، الأمر الذي أدخله في دوامة نفسية قاسية بسبب الاعتقال، والفصل من الوظيفة، والحاجة إلى المال. يقول الشاعر في قصيدة (( العودة إلى جيكور ) ):
جيكور، جيكور: أين الخبز والماءُ؟
الليل دافئ وقد نام الأدلاءُ؟
والركب سهران من جوع ومن عطش
والريح صَرٌّ، وكلُّ الأفق أصداءُ [5]
وكلما حاصره خصومه، اشتدت غربته، فها هو (سربروس) يعرش في الدروب لا لينال منه وحده، وإنما أيضًا ليمزق الصغار، ويقضم العظام، ويشرب القلوب [6]
(1) ديوانه، أنشودة المطر، 1/ 317.
(2) ينظر: نفسه، 318 - 323.
(3) ينظر: نفسه، 323.
(4) ينظر: بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره، إحسان عباس، ص 89. أما جبرا إبراهيم جبرا فيذكر أن بدر أنهى التزامه الحزبي العام 1955. ينظر: النار والجوهر، ص 70.
(5) ديوانه: أنشودة المطر 1/ 422.
(6) ينظر نفسه، 1/ 482.