وتلك إحدى علامات اغترابه الروحي الذي استدعى مثل هذا الجهد ليساويه في القوة والأثر.
تراوحَ ردّ الفعل على الاغتراب بين العودة إلى الطفولة، واسترجاع الماضي، وبناء المدينة الحلم، واستلهام التراث بالإضافة إلى صيغ أخرى تفرد بها الشعراء إشباعًا لحالات خاصة.
العودة إلى الطفولة:
الحنين إلى الطفولة (( حنين إلى طقس مفقود ) ) [1] لأن (( الهروب الرومانتيكي من الواقع والعودة إلى الماضي أو التوجه إلى المستقبل -إلى عالم الحلم والمثل الأعلى- هو بمثابة تعويض للإنسان بواسطة الوعي عن ذلك الواقع الحقيقي، وتلك الرسالة التي حرم منها في المجتمع البرجوازي ) ) [2] أو هو بتعبير آخر هروب من (( عقلنة ) )الواقع التي أسهم في تأسيسها، حتى إذا أصبحت عبئًا عليه لم يجد أمامه سوى النكوص عنها والعودة إلى براءة الطفولة ونعيمها.
فالسياب يستعيد طفولته في جيكور وقد انتظر مطر السماء أمام شرفة ابنة الجلبي. أنها طفولة سعيدة تلك التي يستعيدها، يقول:
واذكر من شتاء القرية النضاح فيه النورُ
من خلل السحاب كأنّه النغمُ
تسرّب من شقوق المعزف، ارتعشت له الظُلَمُ
وقد غنّى -صباحًا قبل ... فيم أعدّ؟ طفلًا كنت أبتسمُ [3]
ولكن اغترابه الراهن لا يدع خياله في اندياحه السعيد وإنما يعيده إلى حاضره حيث المرض واليأس، والأسف على ماضي من العمر المهدور في الأوهام، يقول:
ثلاثون انقضت، وكبرت: كم حبٍّ وكم وجْدِ!
توهجَّ في فؤادي!
غير أنيّ كلما صفقت يدا الرعْدِ
مددْتُ الطرف أرقب: ربما أئتلق الشناشيلُ
(1) مواجهات الصوت القادم، حاتم الصكر، ص 14.
(2) إضاءة تاريخية على قضايا أساسية، ع. د. غاتشيف، المجلد الثاني، القسم الثالث، ص 125.
(3) ديوانه، شناشيل ابنة الجلبي، 1/ 597.