فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 170

ويبلغ اغترابه الروحي ذروته حين يقع السياب في الوهم: والوهم وليد كابوس الاغتراب الجاثم على الصدر، والوالغ في الروح، إنه (الوهم) نتاج الاغتراب ولكنه معادل له ومتكافئ معه، يقول الشاعر:

ولبست ثيابي في الوهم

وسريت: ستلقاني أمي

في تلك المقبرة الثكلى [1]

إنّ وهم السياب قام على أنه (( لبس ثيابه، وقام يمشي ) )وهما فعلان ينفيان المرض الذي أقعده، أي أنهما في بؤرة تمنّي الشاعر وفي مواجهة ثورة اغترابه المتمثل في عجزه. ومن مظاهر وهمه توقه إلى رؤية الخالق، يقول:

تأنف أنْ تمسّني يداكْ

أود لو أراك .. من يراكْ؟

أسعى إلى سدّتك الكبيرةْ

في موكب الخطاة والمعذبيّن [2]

على أن السياب كان عارفًا أنه في غربة روحية، على الرغم من شراسة مرضه الذي ربّما عطل جزءًا من تفكيره واغتال بعضًا من وعيه، يقول:

يا غربة الروح في دنيا من الحجرِ

والثلج والقار والفولاذ والضجرِ.

يا غربة الروح لا شمس فائتلقُ

فيها ولا أفقُ

يطير فيه خيالي ساعةَ السحر [3]

ووعيه بغربته الروحية مُلِمٌّ هو الآخر بخواء نفس الشاعر، واستحالة رجائه، ولولا هذا الوعي لطغت الغربة على فكر الشاعر وخياله، وحالت بينه وبين قول الشعر بل إن الشاعر يشحذ وعيه إلى أقصى طاقته من اليقظة والفعل، فيكتب إحدى قصائده الأخيرة بطريقة البيت الشعري، يقول في مطلعها:

نفسي من الآمال خاوية جرداء لا ماء ولا عُشُبُ

ما أرتجيه هو المحال وما لا أرتجيه هو الذي يَجِبُ [4]

(1) ديوانه، شناشيل ابنة الحلبي، 1/ 609.

(2) ديوانه، المعبد الغريق 1/ 138.

(3) ديوانه، شناشيل ابنة الجلبي 1/ 1660.

(4) نفسه، 1/ 712، وقد كتبت بالكويت بتاريخ 1/ 11/1964 أي قبل وفاته بأيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت