وهنا قرب يدي
ملء غدي
دنياي دجىً مقرورْ
بيداءُ
ربداءْ
ونداء مبتورْ
ودهورٌ تتساقط تجر فمها أمواهْ [1]
ثمّة كونٌ مظلم بارد، وأزمنه تتساقط كالأحجار فتجرفها المياه، وثمة بيداء شاسعة، ربداء من الصمت وهو رمز للتلاشي والضمور، وربما إشارة لاحتضار الحياة، فأوديب الذي هام على وجهه بعد جريمة قتل أبيه والزواج من أمه، أعمى يبتلعه الوجود اللامتناهي، كذلك هو الشاعر في غربته الروحية، والمكانية يموت عنده الزمن، ولا يستشعر في حياته سوى عبثية الأشياء ولا جدواها.
الرمز الأدبي (( عمقٌ أو بعدٌ من أعماقِ أو أبعاد المعنى ) ) [2] ، وهو هنا غير الرمز الأسطوري الذي تحدثنا عنه في الفقرة السابقة، والذي توارثه الشعراء بالتوظيف والاستيحاء، ولا الرمز البدائي الذي انحدر إلينا من الثقافات البابلية والفرعونية واليونانية والهندية، [3] وإنما هو ذلك الرمز الذي خلقه الشاعر بوحي من تجربته الانفعالية، وانتسب إليه، وارتبط بظروفه النفسية، وهو على وفق هذا التوصيف (( ابن السياق ) ) [4] ، ومما لا شك فيه أن هذا الرمز (( لا يقوم على العقل والإدراك وإنما على نظرة وجدانية حدسية ) ) [5] هي الأخرى وليدة التوقد الانفعالي، والنزوع الحلمي للانفصال عن الواقع.
ولقد اصطنع شعراؤنا الرواد رموزًا شتى تراوحت بين ألفاظ مستقاة من الطبيعة
(1) نفسه، 74.
(2) مقالات في الشعر الجاهلي، يوسف اليوسف، 298.
(3) للاطلاع على أنوع الرموز ينظر مثلًا: نظرية البنائية في النقد الأدبي، د. صلاح فضل، 469 - 470.
(4) الصورة الأدبية، د. مصطفى ناصف، 155.
(5) البنية الموضوعية والفنية للشعر الوجداني الحديث في العراق، عبد الكريم راضي جعفر، رسالة دكتوراه على الآلة الكاتبة، ص 255.