وذهبت فانسحب الضياءْ
أحسستُ بالليلِ الشتائيّ الحزينِ، وبالبكاءْ [1]
إن انسحاب الضياء هو المولد للبكاء، والملحظ أن ايقاع هاتين الصورتين يتشكّل من (( الكامل ) )وبتوزيع 4:2 أي أن الشاعر من أجل إقامة هذا الايقاع جاء بتفعيلتين في الشطر الأول ثم بأربع تفعيلات في الشطر الثاني.
ومثل ذلك في قصيدة (( اختناق ) )لبلند الحيدري:
رغم الغدِ المفتوح في الأفقْ
أحسّ بي!
سأختنقْ [2]
(فالأختناق) يتضاد مع (الأفق) على الرغم من الانفتاح على الغد، وهو هنا بنية مفارقة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد في البنية الايقاعية وصولًا إلى هبوطها بما ينسجم والاختناق، ولعل توزيع التفعيلات على نحو 1:1:3، قد أسهم في بلورة ما ذهبتُ إليه.
في قصيدة البياتي (( الليل والمدينة والسل ) )يسجل الشاعر صورة إيقاعية أخرى لموقفه المتضاد من المدينة مع اعترافنا أنها أكثر التصاقًا بموقفه المنتمي المنفي، ففي هذه المرايا لم تعد المدينة وحشًا ضريرًا يتخبط ليصرع الطيبين وأجساد النساء فحسب، وإنما عادت ذات دورة حياتية منتظمة تبدأ من الولادة وتنتهي إلى العدم، ولذلك عمد الشاعر إلى التضاد وإلى ما يمكن تسميته (تكرار التخصيص) وتكرار ألفاظ بعينها. يقول:
في ليالي الموت والخلقِ،
وفي الأعماق أعماق المدينةْ
لم تزلْ كالهرة السوداء،
كالأم الحزينةْ
تلد الأحياء في صمتٍ
وأعماقُ المدينةْ
(1) ديوانه: شناشيل ابنة الجبلي، 1: 621
(2) ديوانه: رحلة الحروف الصفر، 57.