فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 170

تعادل اغترابه من جهة أخرى. ولولا هذه الصيغة ما استمر حياة الغربة كل هذه السنين وهو بعد معافى الجسد والروح والقلب.

بلند ومرحلة المجون والصعلكة:

لم يكن دخول بلند عالم المجون والصعلكة اختياريًا ربما، وإنما كان انسياقًا لا شعوريًا وجد الشاعر فيه نفسه بعد أن تلبسته الغربة النفسية الحادة، ولم يجد في طفولته وماضيه ما يتقي به جحيم عزلته. فقد اندفع بلند الإنسان مع بلند الشاعر الماجن، فتشرد مع حسين مردان وترك المدرسة، وعاقر النوم في الشوارع، في (( انبساطية خارجية ) )ربما كانت مفتعلة للتمويه على (( الانطوائية الداخلية ) )التي جُبِل عليها [1] وكأنه أراد بذلك الثأر من المجتمع الذي اعتزله، من خلال التمرد على منظومته الأخلاقية، من جهة، والتعويض عن شبابه اليافع المهدور بالاستغراق في العبث والمجون، من جهة أخرى، يقول:

نزت الأنام في عمري فثوري ... وارقصي نشوى على قلبي الكسير

مضغَ الحزنُ شبابي يافعا ... فامضغي بالشهوةِ القصوى مصيري [2]

وليقينه بأن حياته اغتراب في اغتراب، فقد قاده ذلك إلى تحدّي الرمز المقدس، والقيمة العليا فلم يعد يهوى (( جلة الله ) )، أو يخشى (( السعير الخالد ) [3] واتخذ من أبي نواس مثله الأعلى ورفيقه الدائم في ليالي المتعة والأنس، يقول:

يا أبا نواس قمْ حيّ الدجى ... حانة الأرواح واجمع شملنا [4]

ولأنه يعيش إحباطًا عاطفيًا بسبب غياب المرأة التي تبادله الحب، فقد راح يطأ الإثم في بيوت الإثم، مدركًا أن غضبه العاتي على المجتمع يساوي (( شهوته العاتية ) )، وأنه لا سبيل إلى إطفائها، يقول:

في ليلة صور فيها القدرْ

ملاعبَ الرياح والمطرْ

والليل قد لاذ بأردانِهِ

وكللّتْ دنياهُ شتى صور

(1) ينظر: مقابلة مع بلند الحيدري، أجراها يوسف الصائغ، م. الأديب المعاصر، ع 5، مج 2، تموز 1973، ص 103 - 106.

(2) ديوانه، خفقة الطين، ص 156

(3) ينظر: المكان نفسه.

(4) نفسه، ص 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت