فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 170

بات واضحًا أن اغتراب الشعراء الرواد الأربعة كان بسبب الظروف السياسية والاجتماعية التي رزح تحت وطأتها القطر العراقي والوطن العربي الكبير ولأنهم ابتلوا بحس وطني وقومي عال، وحساسية ثقافية واعية، فقد ساهموا في نضال المجتمع متطلعين إلى الخلاص، والتحرر على المستويين الفردي والجماعي، بدون جدوى مما أوقعهم في حبائل الاغتراب المركب.

فثمة الاغتراب الاجتماعي الذي تمخّض عن وعيهم اليقظ، بإزاء القيم الاجتماعية السائدة به وما نشأ في ظله من اغتراب مكاني ونفور من المدينة وثمة الاغتراب السياسي الذي نشأ بسبب عدم بلوغ الأماني الوطنية والقومية وثمة الاغتراب العاطفي الناتج عن الخيبات الشخصية، وأخيرًا الاغتراب الروحي.

وقد تفاوتت ردود فعلهم بإزاء الاغتراب من خلال منهج تعويضي مشترك تمثل في العودة إلى الطفولة واستعادة الماضي، وبناء المدن الحلمية، وفي صيغ أخرى خاصة، تجسدت في التشبث بالحياة عند السياب، والعودة إلى حضيرة الإيمان عند نازك والتحول من الثوري المنتمي إلى الثوري اللامنتمي عند البياتي، وامتهان الصعلكة عند بلند الحيدري.

وقد عبر المنجز الشعري كما لاحظنا- عن أنواع الاغترابات التي عانى منها شعراؤنا وعلى كل المستويات اللغوية والصورية والإيقاعية.

وهكذا حفل هذا المنجز بتلك اللوحات الفنية الخالدة التي عبرت عن ذات واعية مغتربة سمت فوق الواقع المظلم، وتطلعت إلى المثل العليا منفتحة على كون آخر، حافل بكل ما هو جميل ونبيل.

ولم يكن التجديد الذي راودوه على مستوى الشعر الحديث إلا ثمرة ذلك الإحساس الخفي العارم بضرورة خلق جديد يتجاوز المألوف إلى صيغة معاصرة من الانفتاح الفني القادر على الإحاطة بتناقضات الوجود، وملامسة تخوم الغد القصوى ومعانقة الآتي.

وقد دلّت الدراسات الفنية على أن الشعراء الرواد توافروا على ثقافة واسعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت