أنا عن الدنيا بمنأى بعيدْ
أخطأتَ ..
لا شك فما من جديدْ
تحمله الأرض لهذا الطريدْ [1]
الساعي هنا رمز الآخرين الذين اعتزلهم الشاعر، ولذلك فلا جديد يُرجى من هذا المخاطب ولو أن الشاعر قدم الساعي رمزًا آخر، لما احتفظ النص بهذه المفارقة، والمفارقة هي التي تصدم القارئ، وتقلق هدوءه. ويقدم الشاعر مفارقة مثيرة حين يقول:
العدل أساس الملكِ
-صه، لا تحكِ
-ماذا؟
-العدل أساس الملكِ
-كذب، كذب، كذب
-الملك أساس العدلِ
إنْ تملكْ سكّينا حقك في قتلي [2]
فقد قلب العبارة المأثورة (العدل أساس الملك) وفي هذا اغتراب لغوي، ومفارقة هزّت نمطية الموروث.
لم يكن شعراؤنا الرواد بعيدين عن التراث في أية مرحلة من مراحل تطورهم الشعري، والثقافي باستثناء بلند الحيدري. [3] فالموروث الفني والإبداعي جزء من حضارة الأمة، وليس في مقدور المبدع المعاصر أن يوليه ظهره تحت أية ذريعة، وشعر القدامى على وفق هذا المنظور"نهر هائل يروي الحياة كلها"ععلى ما يرى
(1) ديوانه، أغاني المدينة الميتة، 38
(2) ديوانه، حوار عبر الأبعاد ص 25
(3) كان بلند يشعر بنفور من التراث، كما كان يتابع العربية من خلال الأدب المترجم، وفي مرحلة لاحقة يذكر أنه تأثر بأبي العلاء المعري، وبأبي نواس وفي مرحلة أقرب يتأثر بالشعراء محمود حسن اسماعيل، والياس أبي شبكة، وعمر أبي ريشة. ينظر: مقابلة مع بلند الحيدري، أجراها يوسف الصائغ، م الأديب المعاصر، العدد 5، المجلد الثاني، تموز، 1973 - الصفحات 103 - 105 - 106