السطر الشعري قد جعل منها جزءًا لا يتجزأ من النسيج الشعري وليست طارئةً عليه، أو منفصلة عنه. ولكن الشاعر يخفق في توظيف المثل الشعبي"لعين بصيرة واليد قصيرة"في مقطع آخر من القصيدة نفسها حين يقول:
فالعين يا حبيبتي بصيرة
لكنْ يدي قصيرةْ
وأمنياتي فجّة ضريرةْ [1]
فقد اكتفى الشاعر بتوزيع المثل على سطرين شعريين قانعا بما زاد عليه من سطر عن الأمنيات الفجة الضريرة من دون أن يشحنه بطاقة إيحائية، وتلك نتيجة طبيعية للتوظيف الحرفي.
ولبلند التقاطاته من الكلام المتداول، والشعبي، وأحيانًا الدارج. ففي إحدى قصائده يستعمل تركيب"ما شفتها"العامية:
لن أراها
كان حلما ذلك الوعد الذي شد خطاها
لن أراها
لن أراها
ربما"ما شفتها"يوما ولم أدرك رؤاها [2]
وأرى أن الشاعر أخفق في استعمال هذا التركيب، لأنه -التركيب- لم يستطع أن يكون بديلًا عن تركيب"لن أراها"الذي كرره الشاعر ثلاث مرات وأراد أن يجيء ببدل له متحاشيًا تكراره أربع مرات، وكان بإمكان الشاعر أن يشحن اللفظ الدارج بإيحائية أعمق، ولذلك فقد هبط تنامي الصورة، وانخفض توتر القصيدة بسبب اقحام التركيب العامي دون ضرورة فنية أو وجدانية. على أن الشاعر يلتقط الشخصية الشعبية (ساعي البريد) وينزع عنها دلالتها التبشيرية التي عرف بها بين الناس، ويخرجها إلى دلالة جديدة عبرت عن مشاعره الاغترابية وتلك هي المفارقة الطريفة:
ساعي البريدْ
ماذا تريدْ .. ؟
(1) نفسه، 690 - 691
(2) ديوانه، أغاني المدينة الميتة، 29 - 30