هو ثالث هذه الألوان وهو رمز الغروب والتلاشي. [1]
وجد الشعراء الرواد في التراث (( ضربًا من الرؤية الفنية يقوم فيه الحس التراثي مقام الرصد التاريخي ) ) [2] ، وقد تراوح استيحاؤهم التراث [3] بين التضمين، والاقتباس، والإشارة. وحفلت دواوينهم بقصائد كثيرة تناولنا قسمًا منها في مبحث البنية اللغوية، وسنتناول هنا كمًّا محدودًا تجنّبًا للإطالة.
فمن باب التضمين العجول لبيت شعري قديم يقول البياتي:
قالوا: (( تمتّعْ من شميمِ
عرار نجد يا رفيقْ ))
فبكيت من عاري:
(( فما بعد العشية من عرارْ ) )
فالباب أوصده (( يهوذا ) )والطريقْ
خال، وموتاك الصغارْ
بلا قبورٍ، يأكلونْ
أكبادهم، وعلى رصيفك يهجعونْ [4]
في النص تضمين للبيت الشعري القديم:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العيشة من عرار
إن الشاعر وهو يتحدث عن ضياع (( يافا ) )قرن هذا الضياع، بشميم عرار نجد فكما أن الشاعر القديم سيفتقد هذا العرار فإن البياتي/ الإنسان العربي الشاعر حيل بينه وبين (( يافا ) )التي أوصد (( يهوذا ) )الطريق إليها وربما عبر الشاعر عن هواجسه شاعرًا مغتربًا صودرت أحلامه أكثر مما عبّر عن مشاعر الفلسطيني المشرد. على أننا من جانبنا افتقدنا الصورة الشعرية التي ظل الشاعر سبيله إليها بسبب ما نحسه فيه من عجالة، وإذا أردنا الدقة بسبب سطحية التجربة الانفعالية بإزاء الموضوع، على أن البياتي تجاوز هذا القصور في أشعاره اللاحقة عبر
(1) ينظر: الزمن في شعر الرواد، سلام كاظم الأوسي، رسالة ماجستير بالآلة الكاتبة، 225 - 226.
(2) واقع القصيدة العربية، د. محمد فتوح أحمد، 147.
(3) تناول د. علي حداد بشيء من التفصيل أبرز المضامين التراثية وهي الأسطوري، والتاريخي، والديني، والأدبي، والشعبي. ينظر: أثر التراث في الشعر العراقي الحديث، 76 - 88.
(4) ديوانه: المجد للأطفال والزيتون، 1: 289 - 290.