تجريب مستمر ودؤوب وصولًا إلى القناع الذي تناول من خلاله عددًا من الشخصيات التاريخية والتراثية.
ويستخدم السياب موروثًا شعبيًا التقطه من أغنية شهيرة لمغنٍّ عراقي هو (( حضيري أبو عزيز ) )ففي قصيدة (( هرم المغني ) )استعار الشاعر مقطعًا من أغنية (( سلَّمْ علي بطرف عينه وحاجبهْ ) ). وقد كان استدعاء هذا المقطع موفقًا من زاويتين على الصعيد الموضوعي: فقد كان جزءًا أصيلًا من نسيج القصيدة التي تتحدث عن مغنٍّ هرمٍ استلب الداء صوته وألغى زمانه:
هرم المغني، هدّ منه الداء فارتبك الغناءْ
بالأمس كان إذا ترنّم يُمسك الليل الطروبْ
بنجومِهِ المترنّحاتِ فلا تخرّ على الدروبْ
واليوم يهتف ألف آهٍ لا يهزّ مع المساءْ
سعف النخيل ولا يرجِّح زورق العرس المحلّى
بعيونِ آرامٍ ودفْلى
ودرابكَ ارتعدتْ حناجُرها فأرعدتِ
الهواءْ [1]
أي إن إسقاط صنعة المغني على الشاعر نفسه وليد عدة خصائص مشتركة بينهما: فكلاهما كان مشهورًا في فنه، وكلاهما أصيب بمرضٍ عضال اختطف أحدهما، وما يزال يتربّص بالثاني.
أما الأمر الثاني في استدعاء هذا الموروث الشعبي، فهو إحساس الشاعر بالعزلة والاغتراب وحاجته إلى العطف، والرثاء ما دام التعاطف، مستحيلًا كما يحسه:
هرم المغنّي فاسمعوه، برغم ذلك، تسعدوهْ
ولتوهموهُ بأنّ من أبدٍ شبابٌ من لحونْ
وهوىً ترقرق مقلتاه له وينفح منه فوهْ
هو مائتٌ، أفتبخلونَ
عليه حتّى بالحطامِ من الأزاهر والغصونْ
أصغوا إليه لتسمعوهْ
(1) ديوانه، منزل الأقنان، 1/ 307 - 308.