يا صديقتي مدينتي الرؤومْ
فنحن في الشرق على الضياءْ
نحيا
على الدموع والدماءْ
مستنقع في وطني
أجملُ
من بحيرة في ليلِ أوربا
بلا ضياء [1]
ويهرب بلند الحيدري إلى الماضي، نافرًا من الحاضر نفور المغترب الذي سحقته أوجاع العزلة، وأسباب الإحباط، فحاضره تبعًا لذلك خواء، وتلاشٍ، يقول:
كل ما في حاضري يصرخ بي: أيها المجنون لا شيء هنا [2]
وماضي الشاعر هو الآخر ماضٍ حزين، تسكنه المنغصات، وتهبّ عليه رياح الاغتراب من كل الجهات، ولكن الشاعر يوهم نفسه أن فيه مأوى له، يلتجئ إليه فرارًا من وحشة الحاضر وخوائه، يقول:
دقت الساعة ترثي فترة ... هربتْ منها وراء الأبد
قلت: يا ساعة مهلا فأنا ... منك أحرى برثاها فأهتدي
فلقد أفنيتُ فيها قطعا ... من شبابي ونضًا من جلدي
كل عمري غابرٌ أحيا به ... حاضري ماضٍ وماضيَّ غدى [3]
وهكذا يهرب الشعراء من حاضر قاسٍ، أثقل عليهم بغربةٍ عزلتهم عن مجتمعهم حينًا، وعن ذواتهم حينًا آخر، إلى ماضٍ قد يجدون فيه ما يخفف آلام الغربة، ويلطِّف من قساوتها مهما كان عسف الماضي، وحجم عذابه.
دأب الشعراء عمومًا، وبعض الشعراء الرواد خصوصًا، على استلهام التراث
(1) نفسه، 566.
(2) ديوانه، خفقة الطين، 94.
(3) نفسه، 198 - 199.