فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 170

الاغتراب -ظاهرةً- قديمةٌ قدم الإنسان في هذا الوجود. فمنذ أن تكونت المجتمعات الأولى نشأت معها وفي ظلها الأزمات التي كانت تتمخض -بشكل أو بآخر- عن أنواع من الاغتراب عانى منها الفرد، وواجهها على وفق حجم طاقاته العادية والروحية، فقد تقوده إلى التمرد والعصيان، مثلما قد تفضي به إلى الاستسلام والانعزال والانكفاء على الذات.

ويبدو أن الاغتراب قدر الشعراء العرب القدامى:

فقد تغرب امرؤ القيس حين أنكر عليه أبوه قول الشعر وخرج مغضوبًا عليه في نفر من شذاذ طيء وكلب بعد أن شبب بإحدى نساء أبيه. كما عانى طرفة بن العبد من الاغتراب حين خرج على مجتمعه وتمرد على قيم القبيلة فتحامته العشيرة. وعرف عنترة العبسي الاغتراب بسبب لونه ونسبه لأمّه وهي الأمَةَ الحبشية وكان ذو الرمة ضحية الاغتراب الاجتماعي بسبب مرضه العصبي، ثم العاطفي حين أحب (( ميّة ) )قرابة عشرين عامًا.

وعانى أبو تمام من اغترابات شتى: مكانية واجتماعية ونفسية حتى آمن بأن الاغتراب هو التجدد. وارتبط الاغتراب بحياة أبي الطيب المتنبي أيما ارتباط فكان نسيج وحده، افرده الهّم مثلما افرده الحسد. وكان لأبي فراس الحمداني اغترابه هو الآخر: بسبب مرارة الأسر وعذابات الشوق والحب، وعاش الشريف الرضي اغترابات حادة على رأسها اغترابه الروحي الذي تلبسه بسبب مآسي سلالته الهاشمية.

فإذا ما اقتربنا من أبي العلاء المعري أطْللْنا على ذروة اغتراب النفس، واغتراب المكان واغتراب الجسد. وهكذا يتكشف لنا الاغتراب من خلال أولئك الشعراء وسواهم عن نفوس طامحة وأرواح مجنحّة تاقتْ إلى العلو، ووجدت في الأرض جحيمًا لا يُطاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت