وقد بات الاغتراب قضيةً تناولها الفلاسفة والمفكرون بالتحليل وتعقبّوها بالبحث والاستقصاء بعد نشوء المجتمع الصناعي من جهة، وقيام الحربين الكونيتين وما رافقهما من مآسٍ وويلات من جهة أخرى حتى ليصح أن يقال إنَّ في كل إنسان مغتربًا.
ولقد عانى الإنسان العربي بعامة والمثقّف بخاصّة، من اغترابات شتى، واتسمت ردود فعله بأشكال شتى تراوحت بين الانسحاب من الواقع إلى هامش الحياة، أو الرضوخ للنظام القائم والاندماج في مؤسساته، أو التمرد بنوعيه: الفردي والثوري الجماعي، أو الهجرة إلى الخارج بحثًا عن فرص أفضل في الحياة.
ولابد من الإشارة إلى سببين جوهريين وراء اغتراب المثقف: يتصل الأول بقضية الحرية وما يتعلق بها من مداخلات السلطة السياسية والاجتماعية، ويتعلق الثاني بصدمة المثقف بسبب تعثّر المشروع النهضوي القومي.
وإذا انعطفنا نحو الشاعر العربي المعاصر، سنجد أنّ انعكاس الاغتراب عليه بات طرديًا مع تعقيد الحياة وتعفّن أوضاع المجتمع، فالشاعر أسرع من غيره إلى الإصابة بهذا الداء لأنه يتمتع بقدر عال من الحساسية والتوتر والرهافة، ولهذا فقد عاش في اغتراب مركب لأنه (( إنسان جمعي يستطيع أن ينقل ويشكل اللاشعور أو الحياة الروحية للنوع البشري ) )مثلما يقول (يونج) .
ولا شك في أن اغتراب طليعة الشعراء في هذا القرن وفي الحقب اللاحقة، قادهم إلى محاكاة الرومانسية الغربية، يستوي في ذلك شعراء الوطن العربي والشعراء العرب في المهاجر، فاتخذوا من الليل أنيسًا، وتاقوا إلى حياة الكوخ، واعتزلوا المدينة، وتغنوا بالألم، وصار الحزن نديمًا لهم.
ومن هنا فقد وجد الشعراء، وبخاصة منهم الرواد: بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري، أنفسهم في عالم مقفر، تراجعت فيه المثل الروحية، وافتُقِدَت أواصر الحب الإنساني الذي يتشوفون إليه، فعانوا من الاغتراب أيما معاناة، وحاولوا -كل على وفق طاقاته المادية والروحية- مواجهته والرد عليه، ومن هنا بدأت أتحسس -بصفتي شاعرًا- عمق تجربتهم الإبداعية التي رسمتها وبدقة تجربتهم الحياتية مثلما قادني ذلك إلى فحص منجزهم الشعري بحثًا عن الثيمات الاغترابية فيه، قصد الإحاطة بمكوناتها، ومن ثم الوقوف على المناهج التعويضية التي اعتمدوها، فكانت هذه الدراسة المتواضعة التي اشتملت على أربعة فصول: