تحمله الأرض لهذا الطريد [1]
من طبائع (( الأنا ) )ميلها إلى العزلة التي تتهدَّدها دائمًا. ولكن (( الأنا ) )تعمل باستمرار لتنمية قدرتها -عبر سعي متواصل- على مواجهة عزلتها، شريطة أن تحافظ على خصائصها وحريتها من جهة، وأن (( تعلو على نفسها ) ) [2] من خلال الاتحاد بـ (( أنا أخرى ) ) [3] تفهمها فهمًا صادقًا من جهةأخرى، وبعكس ذلك كان الانعطاف نحو الآخر السلبي سببًا في تعمُّق العزلة.
وثمة وسائل يلجأ إليها الإنسان للتغلب على عزلته منها: الحب والصداقة والفن. [4] فالحب على وفق هذا التوصيف منهج تعويضي يعتمده المغترب للخروج من عزلته، ولكن إخفاقه في الحب سيقوده إلى اغتراب عاطفي يضاف إلى اغترابه الآخر.
عاش السياب عدة تجارب عاطفية. تنقل خلالها من امرأة إلى أخرى، فلم يظفر لدى أيٍّ منهن بما يعوضه عما افتقده من حنان الأم وعطف الأب أولًا، ولم يجد فيهن من تبادله الحب وتشاطره آلامه وآماله ثانيًا. فالسياب -شأن أي إنسان شاعر- لا يريد المرأة (( للتعبيرعن حاجة تفرضها فتوته فقط، بل يريدها رفيقة حياته وبؤسه وحرمانه ) )، [5] على أن افتقاره إلى الحد الأدنى من الوسامة ربما حال بينه وبين مبتغاه، بالإضافة إلى (( ضعف موقعه الاجتماعي ماليًا ) )، [6] لأن أيًا من حبيباته الخمس -بعد وفيقه وهالة- لم تكن لتغامر في قبول زوج فقير إلى المواهب البشرية، والموقع المالي في آن، ولكن الشاعر ركز على النفوذ المالي: فواحدة باعته (( بمأفونٍ لأجل المال ) )وثانية عافتْه (( إلى قصر وسيارة ) )، و (( تلك وزوجها عَبَدَا مظاهر ليلها سهر وخمر [و] ... قمار ) )، [7] وأشار إلى أنّ إحداهن -
(1) نفسه، ص 272.
(2) ينظر: العزلة والمجتمع، نيقولاي برديائف، ص 114.
(3) ينظر: نفسه، ص 119.
(4) ينظر: المكان نفسه.
(5) مقالات عن الجواهري وآخرين، د. داود سلوم، ص 190.
(6) هذا هو السياب، مدني صالح، ص 47.
(7) ينظر: ديوانه شناشيل ابنة الجلبي 1/ 640 - 642.