فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 170

مدقع )) ، [1] ومهما كان نصيب هذه الأقوال من الصحة فإن خنق الشاعر بدأ من دائرة ضيقة ليشمل المجتمع، ومن الطبيعي أن يعد الشاعر الآخرين قطيعًا كقطيع البهائم التي لا تعي ففي الوقت الذي يشقى فيه هو بوعيه، ينعمون هم بجهلهم، يقول في ذلك:

ستعرفين الدهر في دمعتي ... وسوف ترثين لهذا القطيعْ

يسير لا يبصرُ إلاّ خطى ... تطوي ربيعًا ثم تطوي ربيعْ [2]

ومن سمات هذا القطيع التهافت، وفقدان الإرادة، فهو (( كالثور المجهد ) )الذي تطحنه الأرض برحاها [3] وبإزاء هذا المشهد، تتضخّم ذات الشاعر، وكأنه بهذا التضخم يحاول التعويض عن فقدان الآخرين ولهذا يقول:

وتحسست ملءَ ذاتيَ عملاقا ... تهاوتْ عواطف الناس دونَهْ [4]

وربما بالغ في اعتزال الناس مع السخرية من أحلامهم، وما عساها أن تكون أحلام الجهلاء، يقول:

أنت يامن تحلمين الآن ماذا تحلمينْ؟

بالدروب الزرق، بالغابةِ

بالموت مع الكون الذي لاتفهمين [5]

ويبدو أن بلند يئس من الناس، ومن تجاوز غربته في آن، فيندفع إلى إعلان القطيعة معهم تحت ضغط عناصر الاغتراب التي تتفاعل في داخله باستمرار ومن خلال ما يستجد من دواع اغترابية جديدة، فها هو ذا يتخذ من ساعي البريد رمزًا للمجتمع مشيرًا إلى عدم جدواه، فساعي البريد الذي عجز عن تقديم الجديد، هو المجتمع الراكد الذي اعتاد القديم، وجبل على السكون، يقول الشاعر:

ساعي البريدْ

ماذا تريدْ ... ؟

أنا عن الدنيا بمنأى بعيدْ

أخطأت ... لاشك فما من جديدْ

(1) ينظر: مقابلة مع بلند الحيدري، أجراها يوسف الصائغ، م. الأديب المعاصر، ع 5، مج 2، 1973، ص 106 - 107.

(2) ديوانه، خفقة الطين، ص 217.

(3) ينظر ديوانه: أغاني المدينة الميتة، ص 20 - 21.

(4) نفسه، ص 11.

(5) نفسه، ص 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت