أما غربة بلند الحيدري، فيبدو أنها نبتت في البيت بذرة ثم نمت فيما بعد، يقول بلند: (( قدم الجو العائلي لي حالة نفسية كانت تبدأ من إيثار أمي لأخي صفاء، وإيثار والدي لأختي الصغيرة ... فأحسست بأني الشخصية الضائعة في جو البيت ) ) [1] فالاضطهاد الذي كان يحسه الشاعر وهو صبي كان سبب الاغتراب الذي نشأ في داخله بإزاء المجتمع. وثمة عامل آخر عمق غربته، فقد كان يعيش مع أمه التي انفصلت عن أبيه، وحين تنتقل أمه إلى جوار ربها، ينتقل إلى دار أبيه. [2] هنا تبدو عذاباته مزدوجة: فقد شهد انفصال أبويه عن بعضهما، وهو الذي حرم عطفهما مجتمعَيْن، وهاهو يعيش انفصالهما، فضلا عما لحقه من أذى بسبب تنقله من دار إلى دار، والأذى النفسي أقسى ما يتعرض له الشاعر، تلك هي بدايات غربة بلند، نشأت في تربة الموت، يقول:
وحدتي
هكذا أنت نموْتِ
عشبة صفراء في ضفةموتي
وحديثًا مسرفًا في الهمس كالرجس، كصمتي،
هكذا أنتِ نموتِ
من سكوتي [3]
وقد ارتبط إحساس بلند بالمعاناة، والألم، عنده، بالتميَّز عن الناس، إلى (( حد الخوف أحيانًا من المجتمع ومن الحياة، ومن الزمن ) ). [4] وحنقُه على الناس مصدره ما أشار إليه الباحث في صباه من أحداث نغّصت عليه حياته، ولاشك عند الباحث أنّ أولئك (( الناس ) )هم قلة: فمن هؤلاء الناس أبواه اللذان لم يرعياه كما ينبغي، ومن هؤلاء الناس أيضًا مجموعة من أقاربه، شغلت (( مناصب كبيرة في الدولة ) )، دفعت الشاعر إلى الاشمئزاز (( من كذب الإطار العائلي الذي ) )عاشوا ضمنه، في الوقت الذي كانت عشيرته الكبيرة تعيش (( في حالة فقر
(1) مقابلة مع بلند الحيدري، أجراها يوسف الصائغ، م الأدب المعاصر، ع 5، مج 2، 1973، ص 106.
(2) ينظر: المكان نفسه.
(3) ديوانه: أغاني المدينة الميتة، 44.
(4) دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي، حسين مروة، ص 350.