فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 170

وهذا التميز يعني الاعتزال، المشوب بالتباهي، يقول البياتي:

لم أصطنع حبًا كهذا القطيعْ ... ولم أبعْ في السوق ألحاني

ولم أقل هذا ملاك وديعْ ... ولم أقلْ هذا من الجان

عصرتُ خمري من كروم الربيعْ ... فليشربِ العشّاقُ من حاني [1]

ذلك هوجذر غربته: (( الأنا ) )المتكبرة، فبدونها يطول الليل، ويُوارى الحب، لأنها جوهر حياته، ولذلك ساءه أن يجهل الآخرون ماهية تلك (( الأنا ) )يقول في ذلك:

فليتَ هذا الليل لا ينجلي ... حتى نوارى في الثرى حبنا

حبًا؟ وما أوحشه من هوى ... إنْ جهلتْ حسناؤه من أنا؟ [2]

وشيئًا فشيئًا تتلبسه الغربة فيختفي صوته الجهير، وتبدأ أعراض الاغتراب بالظهور، فثمة شكوى من السأم الذي يتآكل أيامه، يقول:

عامان مرا صيف في ملال تلفتي

تتماوت الأيام حولي في مطارح غربتي [3]

وكلما التفّتْ حول عنقه حبال الاغتراب، جهر بذلك فربما استطاع مقاومتها، وثمة شك وهو من سمات العقل الواعي، المشحون، باليقظة الشعرية فالغد مجهول، والحاضر تافه لا يغري إلا البسطاء الخانعين، يقول البياتي:

غدك الغامض إيمان كشكي ... وانتظار سئمتْ منه النجوم [4]

فقد جعل من ثنائية الإيمان والشك بؤرة قلقه المشروع من مستقبل غامض، مستغلق، وانتظارٍ يغري بالتطلع، بقدر ما يشجع على الانكفاء.

إن اغتراب الشاعر هنا، لا يخلو من شحنة إيجابية على الرغم مما يحمل في طياته من استسلام ظاهر، وباطنه يمتلئ بالتطلع، ربّما لتجاوز الغربة إلى فضاء أرحب، ولهذا نسمعه يقول:

أنا للآتي وللمجهول ضحكي ... ولماضيَّ وللأطلال شوكي [5]

(1) نفسه، 1/ 3.

(2) نفسه 1/ 10.

(3) نفسه، 1/ 30.

(4) نفسه، 1/ 120.

(5) المكان نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت