فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 170

تبصق الموتى على الأرصفة الغُبْرِ السخينةْ

في ذراع الليل، ليلِ السل،

كالأمّ الحزينةْ

لم تزل تبصق آلاف المساكين: المدينةْ

في مقاهيها، وفي حاراتها السودِ اللعينةُ

وعلى أشجارها الصفر الدميمةْ

يُولدُ الخوفُ، كما تولدُ في أعماقها السفلى

الجريمةْ [1]

إنّ جوّ الإسقاطات النفسية على المدينة هو الذي هيّأ إيقاعًا ترجم الموقف التعبيري، فجاء هذا التضاد (الموت والخلق) وتكرار التخصيص: (الأعماق أعماق المدينة) ، و (ذراع الليل ليل السل) ، وتكرار ألفاظ بعينها: (المدينة) و (لم تزل) ، و (تبصق) ، و (يولد، تولد، تلد) وفي هذا إشباع لقيمة إيقاعية.

تردد النسق الايقاعي:

وتتوسل نازك الملائكة بما أسميه (تردد النسق الايقاعي) وأقصد بذلك أن القيمة الايقاعية للصورة الشعرية تتأتّى من تردّد عبارات بعينها مع بعض التحوير الناتج من الحذف والإضافة. تقول في قصيدة (( في جبال الشمال ) ):

شبحُ الغربةِ القاتلةْ

في جبالِ الشمالِ الحزينْ

شبحُ الوحدةِ القاتلةْ

في الشمالِ الحزينْ [2]

فالتردد الإيقاعي متناظر في (شبح الغربة القاتلة) و (شبح الوحدة القاتلة) ، مع استبدال (الغربة) بـ (الوحدة) وحذف الخافض، وكذلك التردد حاصل (في جبال الشمال الحزين) و (في الشمال الحزين) بعد حذف (جبال) مما أشاع إيقاعًا سكونيًا هو عبارة عن صدى (ايكو) حوار النفس سّرًا وعلانية.

وثمة وسيلة أخرى تلجأ إليها نازك الملائكة، هي إلباس التفعيلة الأولى ما يناسبها إيقاعًا من دون أن تكمل الكلمة، والملاحظ أن مثل هذا الإلباس يقف على

(1) ديوانه: يوميات سياسي محترف، 428:1 - 429.

(2) ديوانها: شظايا ورماد، 2/ 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت