فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 170

خلالها تهدئة عناصر اغترابه وتخفيف وطأتها، وجعلها نقطة انطلاق وكفاح له لا حاجزًا يحول بينه وبين المضي إلى أمام من جهة أخرى.

وجد الباحث صيغًا تعويضية أخرى استخدمها الشعراء الرواد بالإضافة إلى الصيغ المشتركة التي مر ذكرها. فقد كانت صيغة السياب التشبث بالحياة، وكانت صيغة نازك عودتها إلى الإيمان، اتخذ البياتي من تحوله إلى الثوري اللاملتزم صيغته المضافة، إما بلند الحيدري فقد كانت صيغته: المجون والصعلكة.

السياب والتشبث بالحياة:

لم يتعرض شاعر عربي معاصر لمحنة الجسد المريض كالسياب باستثناء الشاعر صلاح عبد الصبور الذي انصرف أواخر أيامه إلى شعر الحزن (( بكيان واهن وجسم معطوب ) [1] والشاعرة نازك الملائكة التي تعاني من مرض عضال منذ عامين [2] أبعدها عن الشعر كثيرًا. وقد وضع المرض السيّاب وجهًا لوجه أمام الموت ولكن الحياة لم تغب عنه، لأن الموت والحياة عنده وجهان لقضية الإنسان في هذا الوجود، وقد (( يندر أن تجد بين شعراء العربية من أدرك بمثل نفاذه كمون الموت في الحياة، وكمون الحياة في الموت ) ). [3]

وبقدر ما كان صراخه بوجه الموت خوفًا منه، بقدر ما كان في الوقت نفسه حبًا في الحياة، وشفقة عليها، ونحسب أن لو كان غير السياب في هذا الموضع لآثر الصمت مرغمًا تحت طائلة المرض، ولكنّ الشاعر وعى (( غزارة الحياة ) [4] وجعل من المرض تجربته الخصبة التي لا تنضب. ومع كل شراسة مرضه، ويأسه من الشفاء فقد كان متفائلًا، اسمعه يقول:

إيه إقبال، لا تيأسي من رجوعي

هاتفًا، قبل أن أقرع الباب، عاد

عازر من بلاد الدجى والدموع [5]

(1) دراسات في الشعر الحديث، د. عبده بدوي، ص 295.

(2) حاول الباحث زيارتها في مستشفاها بالأردن خلال عام 1994 - 1995 أكثر من مرة ولكن زوجها حال دون ذلك.

(3) السياب، عبد الجبار عباس، 243.

(4) النار والجوهر، جبرا إبراهيم جبرا، ص 69.

(5) ديوانه، منزل الإقنان، 1/ 262.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت