مناص للشاعر من اختيار (( الجميل المناسب، والأنيق الحسن ) ) [1] من الألفاظ، لكي لا يدع (( الحالة الشعرية وما صاحبها من توقد ذهني وإيقاعية ملحة تسرع إلى قوالب مألوفة محددة بجاذبيتها الموسيقية، ومحددة بصداها في النفوس، وكذلك بمضمونها المقرر ) ). [2] لأنّ (الشعر ... طبع ومهارة) . [3]
ولكي يتم (( تحويل آلام الدم إلى حبر ) )كما يقول اليوت، [4] كان لابد من تأسيس معجم شعري لكل شاعر كبير. ولأن الشعر ذو جلال خاص، (( ولولا هذا الجلال لما عد الشاعر بمنزلة النبي ) ). [5] فإن ثمة اشتراطات على الشاعر أن يحيط بها كالوعي والخبرة، والقدرة على استيعاب الحاضر والماضي والإفادة من تجارب المعاصرين والأسلاف [6] كيما يكون جديرًا بملكوت الشعر. وهذا ما كان عليه شعراؤنا الرواد مجسدًا بمنجزهم الشعري، ببنائه الهندسي، وتقنياته المتقدمة، ومعجمهم الشعري.
لكل شاعر كبير لغة متفردة إنْ على مستوى اللفظة أو على التركيب أو على مستوى البناء. ومنذ العصور الأولى كان (( في كل شاعر مخترع لغة ) ). [7] فحين جدد أبو تمام في لغته الشعرية أثار حفيظة النقاد وكان معظمهم لغويين ليس لهم (( بصر بالشعر ونقده ) )، [8] فحاكموا الشعر على أساس الدلالات المعجمية، والتزامه بقواعد النحو والصرف. ولكن العصور الأولى لم تفتقد واحدًا مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ) يقول عن الشعراء أنهم: (( أمراء الكلام يصرفونه أنّى شاءوا، ويجوز لهم مالا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ وتعقيده، ومد المقصور، وقصر الممدود، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته. واستخراج ما كلت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقربون البعيد، ويبعدون القريب، ويحتج بهم ولا يحتج عليهم ) ). [9] وبهذا يقترب الفراهيدي -الذي سبق عصره- من الموقف النقدي المعاصر الذي
(1) لغة الشعر بين جيلين، الدكتور إبراهيم السامرائي، 10.
(2) دراسات في النقد الأدبي، د. أحمد كمال زكي، ص 123.
(3) المكان نفسه.
(4) الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، اليزابيث درو، ص 339.
(5) مفهوم الشعر، د. جابر عصفور، ص 288.
(6) ينظر: نفسه.
(7) مقدمة ديوان (لن) ، أنسي الحاج، ص 14.
(8) لغة الشعر بين جيلين، د. إبراهيم السامرائي، 136.
(9) منهاج البلغاء وسراج الأدباء، حازم القرطاجي، 143 - 144.