يؤكد أن (( اللغة فنّ الشعر ) )كما يقول بول فاليري [1] . وما دامت (( الألفاظ تَخْلق كما يَخلق كل شيء يمر عليه اصبع الاستعمال في هذه الحياة المتغيرة ) ) [2] فمن حق الشاعر أن تكون له لغته الخاصة التي تعبر بدقة عن تجاربه الانفعالية في لحظات التأسيس الشعري.
ولا يتم تأسيس المعجم الشعري بمعزل عن ذوق الشاعر ومزاجه [3] لأن استعمال مفردات معينة لدى شاعر معين يشير إلى أن حالة نفسية خاصة وراء هذا الاستعمال، ولذلك كان لكل شاعر فنان معجمه الشعري وهو حصيلة تكوينه الثقافي، وقدرته الخاصة في التقاط المفردة التي تعبر عن معاناته.
وفي معاجم شعرائنا الرواد خصوصيات كل منهم فالمعجم هو الشاعر نفسه، فما يميز معجم السياب هو جملة المشبه والمشبه به كما يرى عبد الجبار داود البصري، [4] وهو بتعبير الدكتور جلال الخياط ملئ (( بأدوات التشبيه وأحرف النداء، وعكازات لغوية لا حصر لها ) )، [5] أي أن معجمه الشعري أقرب إلى التراث منه إلى الأسلوب المعاصر، وهو شيء طبيعي، ولا يعيب السياب، لأن (( أكثر الكتاب أصالة إنما هو إلى حد بعيد راسب من الأجيال السابقة، وبؤرة للتيارات المعاصرة، وثلاثة أرباعه مكون من غير ذاته ) )على حد تعبير لانسون، [6] والجملة عند نازك الملائكة (( لم تخرج عن قواعد التشكيل التقليدي للقصيدة فيما كان حرًا وفيما لم يكن حرا ) ) [7] .
أما جملة البياتي فقد اتسمت"بالتركيز" [8] وقامت على اختراق (( العلاقات المألوفة بين الكلمات، [والبحث] عن النقيض والتضاد واللامعقول في تلك العلاقات ) ) [9] .
كما أن الاستعارة هي أهم ما يميز جملة الحيدري فلا تكاد تخلو قصيدة منها، بل إن القصيدة الواحدة أحيانًا تتسع لعدد كبير من الاستعارات.
ولا بد من الإشارة إلى أننا ونحن نسوق هذه العلاقة لا نريد التوقف عندها لأن ما يهم الباحث هو معجم الاغتراب الشعري، ولذلك لم نشأ، أن نمثل لما ذكرنا
(1) نظرية البنائية في النقد الأدبي، د. صلاح فضل، 347.
(2) مقدمة شظايا ورماد، نازك الملائكة، 2:7.
(3) ينظر: الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، اليزابيث درو، 87.
(4) ينظر بدر شاكر السياب، رائد الشعر الحر، ص 40.
(5) الشعر العراقي الحديث، ص 156.
(6) النقد المنهجي عند العرب ومنهج البحث في الأدب واللغة، الدكتور محمد مندور، ص 407.
(7) نازك الملائكة دراسات في الشعر والشاعرة، بنية القصيدة في شعر نازك الملائكة، عبد الرحمن ياغي، ص 717.
(8) النفخ في الرماد، د. عبد الواحد لؤلؤة، ص 17.
(9) الشعر العراقي الحديث، د. جلال الخياط، ص 181.