وكما ألح عليه المرض بسكاكينه تقرَّب إلى الله، فلم يجدِّفْ، ولم يهتز إيمانه بل أوصل العلاقة إلى مستواها المثالي (( بين الإنسان والإله ) ) [1] وهكذا، وخلافًا لما درج عليه المعذبون، المسحوقون من ركوب الشك، والتنكر للسماء، فإن المرض عند السياب ارتفع بالعلاقة مع السماء عن مستواها الاعتيادي وإن لم يبلغ بها مرتبة التصوف، يقول الشاعر:
لك الحمد مهما استطال البلاءْ
ومهما استبد الألمْ
لك الحمد إن الرزايا عطاءْ
وإن المصيبات بعض الكرمْ [2]
ومع أن السياب عاش قساوة العصر، بروح مرحة، وجلد أيوبي كبير، إلا أنه ارتفع بحزنه -أحيانًا- إلى مستوى التضحية، وبذلك عانق اغترابه بندية، ولم يسمح له أن يجرده من كل عناصر الحياة والمقاومة، يقول:
قالوا له (( والداء من ذا رماه
في جسمك الواهي ومن ثبتّهْ؟ ))
قال: (( هو التكفير عما جناه
قابيل والشاري سدى جنّتَهْ )) [3] .
كما بقي مسيطرًا على آلته الشعرية، فعلى الرغم من اضطراب ذاكرته أحيانًا (( غير أنه في قصائده لم يحد عن الخط الذي كان قد وضعه لنفسه ولم يخُنْهُ قط صفاء ذهنه حتى النهاية ) ) [4] وليس أدل على ذلك من شعره الذي حافظ على أوزانه سليمة، عدا بعض القصائد [5] . وهكذا تشبّث السياب بالحياة من خلال التصاقه بالشعر، وأحلامه في الشفاء، ومقاومته المرض مقاومة الفادي الأمر الذي يعني في المحصلة الأخيرة مواجهته الاغتراب والتقليل من آثاره السلبية.
كانت عزلة نازك شبه مطلقة وهي أقرب ما تكون إلى الانطواء على الذات،
(1) بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره، إحسان عباس، ص 378.
(2) ديوانه، منزل الإقنان، 1/ 348.
(3) نفسه، 1/ 296.
(4) النار والجوهر، جبرا إبراهيم جبرا، ص 35.
(5) ينظر: البنية الموضوعية والفنية للشعر الوجداني الحديث في العراق، عبد الكريم راضي جعفر، رسالة دكتوراه مطبوعة بالآلة الكاتبة، ص 370 - 371 و 382 - 383.