وربما كانت على وفق هذا التوصيف (( مرادفه للجحيم وللعدم ) ) [1] فقد كانت (( مستغرقة في نفسها دون أنْ تجد لها مخرجًا أو مهربًا ... لأن الموضوع هو العقبة الرئيسية في سبيل انتقال الذات من وجودها الداخلي واتصالها الروحي بذات أخرى [2] : وقد توسّلت بالهرب إلى الطفولة والماضي مرة، وبالبحث عن يوتوبيا خاصة بها مرة أخرى دون جدوى، فما هو السبيل إلى تجاوز هذا الاغتراب المغلق؟ يبقى ثمة (( العامل الإلهي هو وحده الذي يستطيع أن ينتصر على العزلة ... والله لا يمكن أبدًا أن يكون موضوعًا ) ) [3] .
وقد لاحظ الباحث أن ثمة تحولًا في موقف الشاعرة من خلال قصائدها في رثاء أمها فعلى الرغم من الخطب الفادح وما قد يسببه من ألم لا متناه للشاعرة إلا أنها لم تجد لألمها منفذًا آخر غير أن تحبه وتغني له، [4] فجاءت مراثيها الثلاث احتفاءًا رقيقًا (( بغلام مرهف سابح في بحر أريح ) ) [5] خلافًا لمعجم الشاعرة المعروف. ويبدو أن هذا التحول جاء متزامنًا مع بداية عودتها إلى الإيمان وربما كان ممهدًا له. [6] ولا شك في أن الإيمان سيصلها بالمطلق الذي طالما بحثت عنه وأخطأت الطريق إليه، وسيضيء بعض جوانب روحها، وستجد من خلاله نوافذ جديدة للاتصال بالآخرين على أنه سيكون عاملًا مخففًا لا منقذًا، وإذا كانت فيما مضى تستعين بالشك، والرفض على ارتياد المجهول ومصارعة الآلام، فإنها الآن
(( باسم الله تخوض صراعها مع الأحزان والدموع والأساطير والظلمات ) ) [7] تقول الشاعرة:
باسمك باسمك باسمك باسمك
يا ضوئي يا عطري يا مجدي يا نجمي
يا أمواج انشقي انشقي
عن ساحرة وعروس بحورْ
تمسح جرحي ودموعي
تضمن أنْ أعبر كالبرقِ
(1) ينظر: إلى العزلة والمجتمع، برد يائيف، ص 117.
(2) نفسه، ص 120.
(3) المكان نفسه.
(4) ينظر: ديوانها قرارة الموجة، مقدمة قصيدتها: (( ثلاث مرات لأمي ) )2/ 311.
(5) ينظر: نفسه، 313.
(6) توفيت أمها عام 1953، وتحدد الشاعرة مرحلة تشككها ما بين 1948 - 1955
ينظر: لمحات من سيرة حياتي وثقافتي، نازك الملائكة، أوراق مطبوعة بالآلة الكاتبة، ص 9 - 10 - 19.
(7) نازك الملائكة دراسات في الشعر والشاعرة، ظاهرة التفاؤل في شعر نازك الملائكة، سالم الحمداني، ص 306.