إن قارئ شعر الرواد، وهو يستلهم تجربة الغربة بأشكالها المختلفة، يجدهم يتوسلون بوسائل كثيرة من أجل تحقيق إيقاع منسجم والتجربة، ومن هذه الوسائل تكرار الأصوات:
يقول بلند الحيدري في قصيدته (( أرض مرة ) )
من يدري؟
قد نرحل عند الفجر
لا تلقِ
مرساة
لا تبذرْ
بذرةْ
فالأرض هنا صماء كالصخرةْ
عمياء كالصخرةُ [1]
الشاعر كرّر في النص صوت (الراء) تسع مرات، الأمر الذي أشاع إيقاعًا أستطيع تسميته (( إيقاعًا اهتزازيًا ) )، وأقصد بذلك أن الايقاع المتولد من هذا الصوت أشاع نوعًا من الايقاع القادر على التردد بين درجتين: الانخفاض والارتفاع الأمر الذي أدى إلى انسجام الدلالة الاغترابية مع الخطاب الذاتي الذي تشكل على نحو حوار داخلي (منلوج) .
ويقول بلند في قصيدة (وحدتي) مكررًا (الميم) ، و (النون) ، و (التاء) :
هكذا أنتِ نموتِ
قفرةً جرداء لم تحلمْ بنبْتِ
قفرةً جرداء كالخيبةِ
كالخيبة أنت [2]
هنا يتكرر صوت (النون) ست مرات وصوت (الميم) ثلاث مرات، وصوت (التاء) تسع مرات. إن تكرار (النون) ضعف تكرار (الميم) هو الذي أشاع غُنّةً إيقاعية في طقس الانفراد والوحشة، كما أن تكرار (التاء) - وهو صوت مهموس-
(1) ديوانه: خطوات في الغربة، 32.
(2) ديوانه: أغاني المدينة الميتة، 45.