فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 170

بزيادة ثلاث مرات على صوت النون وست مرات على صوت الميم يشكل جوًا هامسًا للدلالة على الأعماق الخاوية التي تثير عتبًا يصل إلى حد الوخز، وبذلك تحقّق الايقاع المطلوب.

وتراوح نازك الملائكة بين صوتي (السين) و (الشين) بطريقة 2:1 فغيابهما ثم 2، فتعود إلى 1: 2. تقول في قصيدتها (( إلى العام الجديد ) ):

يا عام لا تقربْ مساكننا فنحن هنا طيوفْ

من عالم الأشباح ينكرنا البشرْ

ويفرّ منا الليل والماضي، ويجهلنا القدرْ

ونعيش أشباحًا تطوفْ

نحن الذين نسير لا ذكرى لنا

لا حلْمَ، لا أشواقَ تُشرق، لا منى [1]

إن إيقاع الصوتين المهموسين (السين والشين) استطاعا أن يشيا بدلالة ترتمي في أحضان الوحدة والغربة، ومثل ذلك الترتيب الايقاعي قاد إلى تحويل الانفعال إلى طاقة صوتية هامسة تنماز بالجهد -كما يقرر علماء الأصوات- أو أنها مُجهدة للتنفس، لأننا نحتاج إلى كمية من هواء الرئتين أكبر مما تتطلبه الأصوات المجهورة. [2]

ويستعمل السياب أصوات (العين) و (الغين) و (الحاء) بتداخل فيحس المتلّقي بالأثر الجلي للايقاع الداخلي، يقول في قصيدته (( الباب تقرعه الرياح ) ):

الباب ما قرعته غير الريحِ ..

آهِ لعلّ روحًا في الرياحْ

هامتْ تمر على المرافيء أو محطات القطارْ

لتسائل الغرباء عني، عن غريب أمس راحْ [3]

إن اشتعال صوت (العين) خمس مرات، ومثله صوت (الحاء) بإزاء ثلاثة تردُّدات لصوت (الغين) ، أسهم اسهامًا واضحًا في تصعيد الطبقة الايقاعية، فالصوتان المتماثلان في العدد -الحاء والغين- ينطلقان من أقصى الحلق وهي هنا إشارة إلى مدى ما يكابده السياب من آلام الغربة المُمضّة.

(1) ديوانها: قرارة الموجة، 2: 251.

(2) ينظر: موسيقى الشعر، د. إبراهيم أنيس، 27.

(3) ديوانه: شناشيل ابنة الجلبي، 1: 615 - 616.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت