فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 170

لم يبق في خديه لون وقمرْ

وقلب أمّه الحزين برعمٌ منصهرُ

ودمعها على مرايا وجهها ينحدرُ

وسبع مرات سعت والهةً

بين الصفا والمروةْ [1]

إن ما ينقذ الرمز من السقوط هو أن الشاعرة وضعتنا أمام مفارقة لم تتوقعها: فقدم الطفل تفجر الماء فتكون السقيا، بينما تسقي الطائرات المعادية الجنود بالصواعق بدل الماء الذي انتظروه من رب السماء. وكأن الشاعرة أرادت أن تقول: إنّ خروجها من أسر الذات المغتربة بحاجة إلى معجزة (كما هي تفجر الماء تحت قدم إسماعيل) ولكن هذه المعجزة لن تتكرر (كما لم تُستجبْ دعوات الجنود إلا بالموت) فليست ثمة معجزة في العصر الراهن.

توظيف الرمز الأسطوري:

لقد وقفنا في الفقرة السابقة عند توظيف التراث العربي وتخصيصًا التراث الأدبي الديني والشعبي، ونتناول الآن استخدام الرمز الأسطوري وسيلة لتشكيل الصورة الشعرية. فقد كان للسياب خاصة فضل استدعاء هذا الرمز لضرورات إنسانية وفنية معًا تتصل بطبيعة التجربة الشعورية للشاعر المعاصر، على أن التوافر على الأسطورة -شخوصًا ومدنًا وأماكن ومواقف- أصبح سمة الشعر الحديث بعد ذلك ولشعرائنا الرواد عمومًا تنويعات شتى في هذا الميدان، فلم يقفوا عند رمز أسطوري واحد بل اتخذوا لكل موقف، ولكل تجربة رمزًا خاصًا في ضوء دلالته الأسطورية والمعاصرة في آن. وإذا تجاوزنا المرحلة الأولى لهذا الاستخدام التي لم يتضح خلالها للرمز وظيفة فنية، أو ضرورة تتصل بالتجربة، إلى المراحل اللاحقة فنرى توظيفات موفقة أثبتت أن تلك الرموز كانت (( رموزًا حية على الدوام ) ) [2]

وسأختار هنا شاهدين: للبياتي ولبلند الحيدري. أما البياتي فهو ذو خصوصية فنية منفردة أشرنا إليها في أكثر من موضع. فقد حقق ما سعى إليه من منجز فني

(1) نفسه، 32 - 34.

(2) الشعر العربي المعاصر، د. عز الدين اسماعيل، 1999.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت