بإزاء هذه القيمة الفنية لموسيقى الشعر، يمكن أن ندرس نمطين من الموسيقى في الشعر: الأول الموسيقى الخارجية التي تعتمد على الصورة الزمنية (التفعيلة) ، والثاني الإيقاع الداخلي الذي يفعل فعله في الموسيقى الخارجية من أجل توحيد القصيدة.
لا شك في أن للإيقاع الداخلي وقعًا صوتيًا على الأذن الأمر الذي يؤدي إلى تثبيت حالة شعورية تكون قد نهضتْ بالاستناد إلى قيمة تعبيرية معتمدة على ألفاظ. وهذه الألفاظ هي من التقاط تلك الحالة الانفعالية. وعلى هذا الأساس تكون النفس -وقت التجربة الشعرية أو تمثلها- قد غاصت في مساحة واسعة من الألفاظ فاجتذبت إليها ما يشكِّل المواءمة. وتأسيسًا على ذلك، فإن القيمة الإيقاعية من الاشتغال الفاعل مع النشاط الذي تُحدثه النفس التي انفعلت فاطمأنّت ثم كتبت القصيدة، ووظيفة ذلك الاشتغال تنطلق من الوجدان الذي يحطِّم الرؤية البصرية والسمعية ليبني بناء جديدًا (الصورة + الصوت) وصولًا إلى البلاغ الشعري.
إن ما يراد بالإيقاع الداخلي تلك الإحساسات الخاصة بالأصوات، والألفاظ، والتراكيب، بحيث تكون مؤثرة في النص وقادرة على خلق الدلالات الجديدة التي تنطلق من سياق خاص. وفي هذا فهمٌ مدركٌ لجماليات التجاوز والتباعد من خلال (رؤية سمعية) تؤلَّف تأليفًا جديدًا، بحيث يسمع الشاعر فيها ما لايسمعه الآخرون. ومعنى ذلك أن مثل هذا التأليف يبتعد عن الصورة الزمنية للتفعيلة التي تشكل صورة الوزن الشعري أو البحر الشعري، وتلك مسألة شاقة لا تشرئب فيها إلا أعناق الشعراء التي استندت إلى الموهبة والتحصيل المكتسب.
غير إنني يجب أنْ أشير إلى مسألة مهمة هي أنّ تحقيق مثل هذا الايقاع قد لا يخضع إلى تخطيط مسبق، وإنما يرتبط بحركة الآن التي توجه الانفعال. لأن الشاعر الحق (( يستطيع أن يستعمل الألفاظ استعمالًا ناجحًا ولكنه لا يدري كيف تتم العملية ) ). [1] إن مثل هذا الاستعمال الناجح يؤدي دورًا بارزًا في تحقيق البناء الموسيقي. وهذا الدور يتمثل (( في التعبير والتلقي للشحنات الانفعالية التي هي مجال العمل الشعري ) )، [2] وفي هذا قدرة على خلق الاستجابة، وشد المتلقي، ومن ثم خلق قاعدة دلالية تنهض من سياق خاص يرتبط أساسًا بالانفعال والعاطفة.
(1) العلم والشعر، رتشاردز، 31.
(2) لغة الشعر العربي الحديث، د. السعيد الورقي، 209.