فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 170

موسيقيًا معه، ومعنى ذلك أن الشاعر، من دون وعي مسبق ربّما، قادر على الاتيان بالألفاظ المتوازنة موسيقيًا لإقامة التجربة الشعرية.

إن اتحاد الصور الشعرية بمختلف أنماطها بالصورة السمعية، يقود إلى مغادرة اللحظة الشعرية الواعية إلى لحظة شعرية غير واعية. أي إن الامتزاج الكامل بين أخطر أداتين (الصورة+ الموسيقى) يقود إلى دلالات يفيد منها الناقد لسبرغور اللغة العميقة من خلال الانحراف عن اللغة الاعتيادية أوالسطحية، ومن هنا ندرك أهمية الموسيقى في نقل القيمة التعبيرية/ التصويرية إلى المتلقي.

وتأسيسًا على هذا الفهم، فإن اللغة الشعرية من دون موسيقى تظل دائرة على محور ثابت. والشعر -بأدواته جميعًا- بحاجة إلى حوار دائم مع النص، ومع المتلقي في آن واحد. ولا نبالغ إذا قلنا أن الوزن- كما تذهب نازك الملائكة- (( هو الروح التي تكهرب المادة الأدبية وتصيِّرها شعرًا ... فلا شعر من دونه مهما حشد الشاعر من صور وعواطف، لا بل إن الصور والعواطف لا تصبح شعرية بالمعنى الحق إلا إذا لمستها أصابع الموسيقى ونبض في عروقها الوزن ) ) [1] ، ولذلك عدَّت الوزن سحرًا فاعلًا في النص، وفي الوظيفة: (( إن الوزن هزة كالسحر تسري في مقاطع العبارات تكهربها بتيار خفي من الموسيقى الملهمة. وهو لا يعطي الشعر الايقاع فحسب، وإنما يجعل كل نبرة فيه أعمق وأكثر إثارة وفتنة. ولذلك كان الشعر مؤثرًا بحيث كان القدماء يعدونه ضربًا من السحر يسيطر به الشاعر على الجماهير ) ) [2] لأن الوزن (( خلق مسافة توتّر بين المكونات اللغوية العائمة في وجودها العادي خارج الشعر ووجودها داخله ) ) [3] ومن دونه (( يرى لغة الشعر تنحط تدريجيًا إلى ما ليس بلغة شعر ) ). [4]

إنّ الشاعر (( حين تعتريه الحالة الشعرية يصبح ذهنه مشحونًا بالموسيقى. وهذه الموسيقى تجعل الألفاظ تنبعث في عقله الباطن وترفع إلى سطحه عشرات الكلمات المطموسة المعالم مما رقد في الذهن الجماعي للأمة وبعثته موسيقى الحالة الشعرية ) ) [5] .

وطبقًا لهذا الفهم، فإنّ البنية الموسيقية يجب أن تؤدي وظيفتها في التجربة الانفعالية تعبيرًا وتوصيلًا. بمعنى أن الموسيقى تسهم إسهامًا فاعلًا في احلال الدلالة في فضاء منفتح على التجربة الشعرية.

(1) قضايا الشعر المعاصر، 238.

(2) نفسه، 225.

(3) في الشعرية، د. كمال أبو ديب، 89.

(4) قواعد النقد الأدبي، لاسل آبر كرمبي، 44.

(5) الصومعة والشرفة الحمراء، نازك الملائكة، 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت