قاصرة (( عن أن تصف منظرًا طبيعيًا أو وجهًا إنسانيًا ) ). [1] ولذا كان ميدانها هو العلم، إلى جانب كونها لغة الحياة اليومية.
ولكي (( يحرك الشاعر خيال قرائه ... بحيث تجاربهم بقدر الإمكان تقليدًا صحيحًا لتجاربه ) ) [2] فإن عليه أن يقوم بعملية اختيار دقيقة لألفاظه تضع المتلقين في عمق التجربة لا على سطحها. وهكذا يكون لكل شاعر معجمه الشعري الخاص، ويظل اختيار المفردات (( سرًا لشاعر نفسه ) ) [3] في ضوء تجربته الانفعالية.
إن الشعر (( صفة علوية، أي نقل مفاجئ تقوم به الألفاظ تحت تأثير خاص كما يقول الناقد هربارت ريد ) )، [4] ولذلك كانت لغة القصيدة لغة تكثيف وغرابة، تتخذ الكلمات فيها (( وزنًا أثقل من الوزن الذي تحمله الكلمات نفسها عندما نصادفها في الكلام العادي أو في صفحة جريدة أو حتى في صفحة من الكتابة النثرية ) )، [5] مما يشير صراحة إلى أنه ليست هناك كلمات شعرية وأخرى غير شعرية وإنما هناك ثقل خاص لهذه المفردات تكتسبه في الشعر إذ أن (( السياق وحده هو الذي يمنح الألفاظ شاعريتها أو العكس، والشعر الجيد أيضًا هو الذي يُكسب ألفاظه قسوة ونضجًا ) )، [6] وهذا ما أكده عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس الهجري في نظرية النظام حين ذهب إلى أن موقع المفردة من السياق هو الذي يمنحها الدلالة المناسبة والمؤثرة. [7] وبذلك يكون الجرجاني قد ركز (( على عمل العناصر في البيئة اللغوية من أجل إنتاج المعنى، وليس على العناصر ذاتها ) ) [8] وهو ما اهتم به النقد الحديث، فها هو الناقد الإنكليزي ريتشارد ز يقول: (( إن النغمة الواحدة في أية قطعة موسيقية لا تستمد شخصيتها ولا خاصيتها المميزة إلا من النغمات المجاورة لها ... كذلك الحال في الألفاظ فإن معنى أية لفظة لا يمكن أن يتحدد إلا من علاقة هذه اللفظة بما يجاورها من ألفاظ ) ). [9]
إن وضع الألفاظ في سياقاتها المناسبة لا يتم اعتباطًا، على الرغم من استغراق الشاعر في لحظات شعرية هي أقرب إلى اللاوعي منه إلى الوعي، فلا
(1) العلم والشعر، إ. أ. ريتشارد ز، ص 30.
(2) قواعد النقد الأدبي، لا سل أبركرمبي، ص 34.
(3) العلم والشعر، إ. أ. ريتشارد ز، ص 31.
(4) الأسس الجمالية في النقد الأدبي، د. عز الدين إسماعيل، 345.
(5) الشعر والتجربة، ارشيبا لدمكليش، ص 20.
(6) الصورة الفنية في شعر أبي تمام، د. عبد القادر الرباعي، ص 245.
(7) ينظر: دلائل الإعجاز، ص 36.
(8) علم اللغة العام، فردينان دي سوسور، مقدمة المراجع، د. مالك يوسف المطلبي، ص 10.
(9) قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، د. محمد زكي العشماوي، 320.