باستمرار- أمام المصائر الفردية المفجعة لرموز الفكر والثورة المعاصرة، ومأزوم أمام خيبات الثورة على المستويين العربي والكوني، ولأنه، ثانيًا، مأخوذ -بسبب تلك الهزائم- باغترابه المزدوج، ولأنه، ثالثًا، لما يزل ثوريًا في الثورة، فإنه استمد عبر هذه النماذج/ الأقنعة الأمل، والتفاؤل، والإصرار، ولكن مع الإقرار بالخيبات والمصائر المأساوية. ففي (( موت المتنبي ) )يقول الشاعر على الرغم من نهاية المتنبي على يد قاتليه:
أرى بعين الغيب يا حضارة السقوط والضياعْ
حوافر الخيول والضباعْ
تأكل هذه الجيف اللعينةْ
تكتسح المدينةْ
تبيد نسل العار والهزيمةْ
وصانعي الجريمة [1]
وفي (( محنة أبي العلاء ) )يخاطب الشاعرَ التراثي الطغاةَ قائلًا:
فعصركم مضى إلى الأبدْ
ولم تعودوا غير أشباح بلا قبور [2] .
وفي (( عذاب الحلاج ) )نسمعه يتحدث نيابة عن الشاعر، وعن الجماعة:
موعدنا الحشر، فلا تداعبي قيثارة الجسدْ
أوصال جسمي أصبحت سمادْ
في غابة الرمادْ
ستكبر الغابة يا معانقي
وعاشقي
ستكبر الأشجار
سنلتقي بعد غد في هيكل الأنوار [3] .
إن حياة هؤلاء الأبطال التي انتهت بالقتل (المتنبي) ، والموت بسبب الإحباط ربما (المعري) والصلب (الحلاج) بقدر ما توحي للشاعر باليأس، والإحساس بالمرارة واستمرار المحنة، فهي تمنحه القوة لمواجهة الشر، من جهة ويحاول من
(1) ديوانه، النار والكلمات، 1/ 716 - 717.
(2) ديوانه، سفر الفقر والثورة، 73.
(3) نفسه، 29 - 30.