لبيبة- أغراها الحسن بأنّه (( غير كفء ) ). [1] على أن الشيء الذي يهم الباحث هنا هو اعتراف الشاعر بأن كل اللائي أحبهنّ لم يبادلْنه الحب، ولم يعطفْن عليه. يقول السياب:
ومامن عادتي ماضيَّ الذي كانا
ولكن ... كل منْ أحببتُ قبلك ما أحبوني
ولا عطفوا علي، عشقتُ سبعا [2]
لقداحتمل الشاعر هذا العبء- الكابوس كل هذه السنين، التي طحنها الفقر، والتشرد، والمرض، واليأس، ليفصح عنه وهو على أهبة الرحيل الأبدي. فالفراغ العاطفي الرهيب الذي عاناه، مشحونًا بالتمني -المستحيل يتحول الآن إلى وحش كاسر يوشك أن ينقض على فريسته ولكن صرخة الشاعر/ الاعتراف أعادت توازنه: بين ماض من الخواء العاطفي، وغدرٍ بّما امتلأ بكلمة حب تنقذ الجسد المسجّى من الانهيار التام، ومن هنا صرخته الثانية- الرجاء:
أحبيني
لأني كل من أحببتُ قبلك لم يحبوني [3]
والأمر الآخر الذي كشفته للباحث أشعار السياب العاطفية هوتكثيف ميله إلى الحب الحسي في مرحلة مرضه العضال. ويبدو أنّ هذا الحس الصارخ انعكاس لرغبة قديمة عجز عن إروائها، فقد أنفق عمره بحثًا عن امرأة تبادله الحب، وتطارحه الجنس، وتمنحه مايشتهي، حتى إذا طال انتظاره دون جدوى، اضطر إلى خوض غمار التجارب الجسدية [4] ولكن ذلك -كما يبدو - لم يُطفئْ أوار رغبته، وهاهو الموت المتربص به يوقظها الآن، فتفيض شعرًا على لسان الشاعر، يقول:
تشتهيك البارحهْ
فقبّلُتُ ردن الرداء: هنا ساعداها،
هنا إبطها، يالكهفِ الخيالْ
ومرفأ ثغري إذاجرفتْه رياحٌ ابتهالْ
ودحرجَهُ مدُّ شوقٍ مُلِّحٍ، وقد حار السؤالْ
(1) ينظر: نفسه، 1/ 640.
(2) نفسه، 1/ 639.
(3) نفسه، 1/ 643.
(4) ينظر: مقالات عن الجواهري وآخرين، د. داود سلوم، ص 191.