يرثي الشباب ولا كلام سوى نشيجٍ: (( بالعيونْ
سلِّمْ علي إذا مررتَ. )) .
أتّى وسلم .. صدِّقوهْ!
هرم المغنّي فارحموهْ [1]
على أن السياب، ولفرط احساسه بالعزلة من جهة، وبإثرة الآخرين وبخلهم من جهة أخرى تصرَّف بالأغنية، فاستبدل الأفعال الماضية بأفعال الأمر استدرارًا لموقف أكثر إنسانية وسخاء من الغير وتنفيسًا عما يعتمل في نفسه من الألم والغيض جراء انفضاض الناس من حوله، أي أن الشاعر طور الحديث والمعنى [2] وبذلك حقق الاستجابة الفنية إلى جانب تحقيق الاستجابة الموضوعية.
وفي فترة مرضه استخدم رمزًا من الموروث الديني هو (( أيوب) استجابة لما كان يحسه من غربة روحية مركبة:
أطفال أيوب من يرعاهم الآنا؟
ضاعوا ضياع اليتامى في دجىً شاتِ
يارب أرجعْ على أيّوب ما كانا
جيكور والشمس والأطفال راكضةً بين النخيلاتِ
وزوجة تتمّرى وهي تبتسمُ
أو ترقب الباب، تعدو كلما قُرِعا
لعله رجعا
مشّاعةٌ دون عكّاز بهِ القدمُ [3]
يؤسس النص صورتين متناقضتين: الأولى هي انعكاس للواقع الراهن، صورة أطفال الشاعر/ أيوب وقد حل عليهم شتاء قاس أسلمهم للريح والبرد والضياع فهم يتامى ينتظرهم مصير مجهول. والثانية صورة متخيلة تعكس رغبة الشاعر: صورة لجيكور غارقة بشعاع الشمس، وأطفالٍ يلعبون تحت النخيلات، فيما كانت زوجة الشاعر تأخذ زينتها أمام المرآة تنتظر زوجها وقد عاد إليها دونما عكازة. وينبغي ملاحظة ما أفرزه استخدام الرمز من مفارقة: فأيوب النبي تخلّى عنه أهله جميعًا بعد أن تركوه يصارع المرض، في حين ظل للشاعر زوج وأطفال ينتظرونه،
(1) نفسه، 1/ 308.
(2) ينظر: دير الملاك، د. محسن اطيمش، ص 228.
(3) ديوانه، منزل الأقنان، 1/ 257 - 258.