ستيفن سبندر. [1] ولذلك كان على الشعراء أن ينهلوا منه لكي لا يتحول إلى"بحيرة راكدة تفصلهم عنها حواجز صخرية" [2] .
إن احتفاظ الموروث في الكثير من جوانبه وتجاربه بأسرار لم تُفضّ بعد، وأعماق لم تستكنه لحد الآن هو الذي يغري الشاعر المعاصر بالعودة إليه واستلهامه مضامين وشخوصًا. وقد تراوحت علاقة شعرائنا بالتراث بين الاقتباس والتضمين والإشارة العابرة، والإشارة المركزة، فضلًا عن استعمال المفردات التراثية، وسوف أسوق مثالًا محددا للأداء باللفظة القديمة وآخر للأداء بالرمز، أو الأسطورة، أو الحكاية تجنبًا للإطالة:
في قصيدة"إقبال والليل"يخاطب السياب زوجته بقوله:
حبَّبتِ لي"سُدَف"الحياة، مسحتها بسنا النهار [3]
فهل ثمة ضرورة فنية لاستعمال (سُدَف) ؟ يريد الشاعر أن ينقل لزوجته صورة دقيقة عن قتامة حياته التي كانت زوجته وراء تجاوزها وربما وراء استحالتها إلى ضياء. فاستخدم المفردة"سُدَف"وهي لهذا أكثر التصاقًا بتلك الحياة السوداء التي عاشها الشاعر، وكان بإمكان السياب استخدام لفظة"ظلم"ولكنه آثر تلك التراثية لأن"السدَف"لم تدرك بعد الكهرباء وغيرها من مبتكرات الحضارة الجديدة، فهي موغلة في الظلام، والسواد، والقتامة بكل ما تشتمل عليها من خوف، ورعب، وعدم اطمئنان ولهذا فقد كان الشاعر موفقًا في توظيف المفردة من ناحية التوصيف لتلك الحياة، وأيضًا من جهة ضخامة العمل الجليل الذي أدته الزوجة الوفية تجاه الزوج المريض، وليس هذا الأمر غريبًا على شاعر كبير كالسياب برز عنده"روح الشعر العربي التقليدي .. بجزالة اللفظ وحسن السبك" [4] .
أما نازك الملائكة فهي ذات ثقافة عربية عالية ولكنها -ناقدة- متناقضة في فتاواها اللغوية: فقد دعت إلى إجراء تغيير جوهري على المعجم الشعري بترك"استعمال طائفة من الألفاظ التي كانت مستعملة في القرن المنصرم" [5] ولكنها نفسها، عادت واستعملت تلك الألفاظ"في مرحلتها الشعرية الجديدة بعد أن رأتها نافرة" [6] ففي قصيدة"ويبقى لنا البحر"تستعمل كلمة زبرجد، تقول: سألت عن
(1) الحياة والشاعر 104
(2) المكان نفسه
(3) ديوانه، شناشيل ابنة الجلبي 1/ 718
(4) مقدمة ديوان بدر شاكر السياب، ناجي علوش، ص ب ب ب.
(5) مقدمة ديوان شظايا ورماد، 9 - 10
(6) نازك الملائكة دراسات في الشعر والشاعرة، لغة نازك الملائكة، أحمد مطلوب، ص 603. وقد نظم الدكتور مطلوب كشفا بطائفة من الألفاظ التي نهت عن استخدامها ثم عادت واستخدمتها لارتباطها"بالموضوعات التي نظمت فيها والأجواء التي تنم عليها". ينظر: نفسه 602 - 604