الفكرية في الغرب، طامحًا إلى أن يكون شاعرًا كونيًا. وربما أدرك بحسه أن صيغة الثوري المنتمي كانت أحد عناصر اغترابه وأن الانسلاخ عنها سيكون عامل تخفيف لغربته من جهة، وإشارةَ مرور في الطريق (( الكوني ) )الذي ربما لم يكن سالكًا أمام (( الثورية المنتمية ) )من جهةٍ أخرى ولعلّه عانى من ذلك الانتماء الأمر الذي جعله يصرخ.
قدمت أوراق انتسابي لرسول الربْ
وقوميسار الشعبْ
من أجل أن تشرق شمس اللهْ
على الغد المسكون بالخوف والأشباحْ
لكنه سلمني لغرف التعذيب والسجون والبوليسْ
والنفي والتشريد [1]
وهكذا امتلك بعضًا من حريته، و (( استرد وجهه العربي ) ) [2] وشرع ينشد للوطن العربي. على أن تحول الشاعر إلى مرحلته الجديدة لا يعني خلاصة من اغترابه، وإنما يعني أنه فتح فضاءً له في سماء غربته، خفّف عنه وطأتها، وسمح له بالتنفس، لمعاينة مآسٍ جديدة يعيشها الإنسان، يقول:
رأيت يا حبيبتي كل طغاةِ العالم القديمْ
لكنني أكتشفُ الآن طغاةَ العالمِ الجديْد [3]
وعلى الرغم من هذه المآسي التي تستدعي الإحباط والحزن، فإن الشاعر يظل متفائلًا، بغد الخلاص، يقول:
ثانية سيقبل المخلص المسيح
ها أنذا أراه في الغيبِ وفي بوّابة المستقبلِ البعيدْ [4]
وهكذا يصبح البياتي اللامنتمي أقدر على مواصلة حياته في المنفى، فقد أعانه وضعه الجديد على ارتياد التراث الإنساني، شخصياتٍ ومدنًا وحضارات، ينتقي منه أبطاله النموذجيين، متخذًا من هزائمهم وانتصاراتهم بؤرًا عصرية يطل منها على الكون من جهة، ويشاغل غربته عبر ما يستخدمه من وسائل فنية
(1) ديوانه، قصائد حب على بوابات العالم السبع، 3/ 84 - 85.
(2) دراسات في النقد الأدبي، د. أحمد كمال زكي، ص 126.
(3) ديوانه، قصائد حب على بوابات العالم السبع، 3/ 78.
(4) نفسه، 3/ 116.