فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 170

تقمّص تجربة ذاتية واعية أو غير واعية )) . [1] وفي قصيدة (( ثلاث علامات ) )نلمس هذا الازدواج بشخصيتين تمثّلان الشاعر، تتحاوران بقلق، ومن تكرار جملة (( وافترقنا ) ) [2] عند نهاية كل مقطع، نتوصل إلى أن الشاعر يحاول أن يطرد الشخصية الطارئة عليه، فكأنه بذلك يحتمي منها بذاته التي كانت بمثابة العالم كله له. ويبلغ اغترابه الروحي حد تجاوز الزمن، يقول:

للمرّة العشرينْ

أريد أن أنامْ

أسقط في النوم ولا أنامْ

للمرة الخمسينْ [3]

إنه يفقد إحساسه بالزمن الآن، كما فقد إحساسه بالمكان من قبل، وها هو ينسلخ عن الوجود، فيضع اهتماماته اليومية، إنسانًا، موضع الشك والتساؤل، يقول:

أمؤلمٌ أنْ تلبس الحذاء كل يوم ... ؟

-أجل ... أجل أكره أنْ أنزَعهْ

أكره أنْ ألبسَهْ [4]

وهكذا تقوده غربته الروحية الشاقة إلى عدّ الحياة زائفةً، لا جدوى منها: فالناس زائفون، والأيام زائفة، [5] لأن غربته تلك أقوى من أن يوقفها شيء، فقد تغلغلت في خلاياه وأصبحت جزءًا من تكوينه.

وقد عاش السياب غربة روحية بعد أن تضافرت غرباته الاجتماعية، والعاطفية، والسياسية مع ما أفرزه مرضه الوبيل من هواجس وآلام، لتشكل حالة نفسية مركبّة هاجسها الموت، ولكنه هاجس تلطِّفه من حين لآخر ما عُرف عن السياب من حبٍّ للحياة وتشبّث بها، وأمل -وإن كان متفاوتًا في قوته وضعفه- في الشفاء من مرضه.

(1) البعد النفسي بين التمزق والصراع في ديوانه (أبو القاسم الشابي) ، عبد السلام المسدى، م. الطليعة الأدبية، ع 2، 1980، ص 14.

(2) ينظر: ديوانه، أغاني المدينة الميتة، ص 57.

(3) ديوانه، أغاني الحارس المتعب، ص 78.

(4) ديوانه، أغاني المدينة الميتة، ص 54.

(5) ينظر: ديوانه، حوار عبر الأبعاد الثلاثة، ص 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت