فأبصرتُ ابنة الجلبيِّ مقبلةً إلى وعدي
ولم أرها. هواءً كل أشواقي، أباطيلُ
ونبتٌ دونما ثمرٍ ولا وردِ! [1]
وتفسر نازك الملائكة من جحيم حاضرها المزدحم بالأسرار إلى طفولتها البسيطة، الوديعة، الواضحة، تقول الشاعرة:
أسفًا ضاعت الطفولة في الماضي وغابت أفراحها عن جفوني
وهي لو تعلمين أجمل ما يملك قلبي وما رأته عيوني
حينما كنت طفلةً أجهل السر وأحيا في غفلة من شجوني [2]
وهكذا ترسم الشاعرة طرفي حياتها بين الأمس واليوم: براءة الطفولة وبساطة تفكيرها، ووعي الشباب وتعقد حسه المرهف، فكأنها تقارن بين حالين:
لا اغتراب الطفولة (الأمس) ، واغتراب الشباب (الحاضر) .
ويرى عبد الوهاب البياتي طفولته في (( باب الشيخ ) )حيث البيت الغارق في النور، إشارة إلى وداعة الطفولة، مقارنًا بينها وبين حاضره حيث تتقاذفه المنافي، جرحًا نازفًا، وبقايا أحلام محطمة، يقول:
حب من باب الشيخ ورائي
يمتد كخيط مسحورٌ
أمسكه فأرى بيتًا يغرق بالنورْ:
أتطلع نحو الباب المغلقِ
في عينَيْ طفل مبهورْ
أصرخ لكنّ الخيط المسحورْ
يصبح جرحًا في قلبي
ورمادَ بخورْ [3]
وكأن طفولة الشاعر (نور) ، وحاضره (دم) .
وقد يرى البياتي طفولته مع أقرانه: مشروع مغامرة طفولية تجد طريقها إلى المستقبل، ففي الأمس البعيد حيث كان الفقر، سيد الكون الصغير بدأت أحلام البياتي الصغير تتشكّل في حقل (( الصمت ) ). حيث يهيمن (( الغروب ) )بأشباحه
(1) ديوانه، شناشيل ابنة الجلبي 601.
(2) ديوانها، عاشقة الليل 1/ 479 - 480.
(3) ديوانه، بستان عائشة، ص 69.