فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 170

فربّما أحس أن مأساته هي مأساة الملايين سواه. هكذا هو حال السياب، دخل المعترك السياسي مغتربًا، وخرج منه أشد اغترابًا لأنه قذف بنفسه في لجة الصراع ولم يقف على حواشيه، ولأنه أحب العراق حدَّ العشق فإن كُلًا من التزامه الحزبي، وانسلاخه عبَّر (( عن ذلك العشق لبلده ومن فيه ) )على حد تعبير جبرا إبراهيم جبرا. [1]

أما مايعتقده بعضهم من أنه دخل الصراع السياسي (( ضعيفًا مهزوزا ) ) [2] فهو رأي تدحضه الوقائع لأن ما نهض به السياب من تبعات العمل السياسي ابتداء بالمشاركة الفعالة في التظاهرات، مرورًا بالاعتقال والفصل من الوظيفة، والتشرد خارج الوطن، وانتهاء بالعودة إلى الوطن، وتعاطي العمل السياسي بأشكال جديدة، إن كل ذلك لا علاقة له بالضعف والاهتزاز، إن لم يكن ذا صلة وثقىة بالصلابة، والقوة.

ويدخل البياتي المعترك السياسي دخول البطل، فقد نشأ اغترابه الاجتماعي، في جانب منه، على الاستعلاء كما رأينا، ويبدو أنّ هذا الاستعلاء تضاعف من خلال الموقف الفكريّ الجديد، ولهذا نسمعه يقول:

شيد مدائنك الغداة

بالقرب من بركان فيزوف ولا تقنع

بما دون النجوم [3]

ولكن آثار الاغتراب السياسي تتسلل إلى نفسه رويدًا، فقد اختار طريق الثورة مع قلةٍ وسط الملايين الصامتة، الأمر الذي جعله يشعر بالوحدة أمام مخاطر الالتزام الجديد، وها هو ذا أشبه مايكون بالمسافر الذي لا يحمل حقائب، لأنه مسافر داخل نفسه وغريب في وطنه، يقول الشاعر:

من لا مكانْ

لا وجه، لا تاريخ لي، من لا مكانْ

تحت السماء، وفي عويل الريح أسمعها تناديني: (( تعالْ ) )

لا وجه لا تاريخ أسمعها تناديني: (( تعالْ ) ) [4]

(1) النا ر والجوهر، ص 71.

(2) مقدمة ديوان بدر شاكر السياب، ناجي علوش، 1/ 11.

(3) ديوانه: أباريق مهمشة، 1/ 157 - 158.

(4) ديوانه، أباريق مهمشة، 1/ 168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت