فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 170

إن غربته السياسية عما حوله، وعمن حوله، أسمعته نداء الأمسيّات البعيدة القادمة من أفق آخر، ولأنه وحيد، كما يشعر، فقد توقع الإخفاق، فالآخرون (( موتى ) )ولذلك فقد عاد مخذولًا.

وعندما كان يحترق في أتون النضال، مر به الآخرون غير عابئين به، يقول:

وحدي احترقت أنا وحدي وكم عبرت

بيَ الشموسُ ولم تحفل بأحزاني [1]

فلأنه (( وحيد كقطرة المطر العقيم ) ) [2] فقد بدأ يشعر بالوحشة:

وحدي بلا وعد ... أصيح يا أنت

تغمرني وحشةٌ ... والليل لم يأتِ [3]

ولكن الشاعر لا يستسلم للتشاؤم المغلق [4] لأن طموحه لا يتوقف أمام شعور اغترابي ربما توهمه عابرًا، ولأنه لم يزل بطاقته الفكرية والجسدية فلم يتعرض لما تعرض له السياب مثلًا من سجن وتشريد يستنزفان حماسه وقدراته، ولهذا وطَّن نفسه على الارتحال عبر (( البحار النائيات ) )حيث (( مغنى النساء الساحرات، والخمر، والدموع ) ). [5] وهكذا يرتحل الشاعر من وطنه، إلى بلاد الغربة، سلاحه الشعر، وغايته الدعوة للعقيدة التي آمن بها. وفي منفاه الاختياري يتأرجح بين أوجاع الاغتراب، وآمال الانتصار الشخصي لإثبات وجوده، والوصول إلى ما يبتغيه من مجد. يقول الشاعر في قصيدة (( بطاقة بريد إلى دمشق ) ):

كنت جائعْ ...

كنت في معركة الخلق أطالعْ

وجهك الحلو، فأنسى يادمشق

غربتي

وحشة أيامي

عذابي

(1) نفسه، 1/ 210.

(2) ينظر، نفسه، 1/ 210.

(3) نفسه، 1/ 220 - 221.

(4) ينظر: الشعر العراقي الحديث مرحلة وتطور، د. جلال الخياط، ص 183.

(5) ينظر: ديوانه أباريق مهمشة 1/ 229.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت