فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 170

لن أخرج فيها من سجني [1]

إنّ للفعل المذكور دلالة مضاعفة من الإيحاء فضلًا عن استعماله مجازيًا، مما أفصح عما أوحاه الشاعر من الهمس بأدنى درجاته ربما إلى الدرجة التي يتماثل فيها مع الصمت تعبيرًا عن تعب الشاعر وإعياء صوته المشبع بآه الحزن.

وفي قصيدة"رنين المعول الحجري"يبلغ السياب درجة نوعية قصوى من تجسيد الصوت:

رنين المعول الحجريّ في المرتجّ من نبضي

يدمّر في خيالي صورة الأرض

ويهدم برج بابل، يقلع الأبواب،

يخلع كل آجرّةْ

ويحرق من جنائنها المعلّقةِ الذي فيها

فلا ماءٌ ولا ظلٌ ولا زهرة [2]

جو عاصف، وملئ بأصوات التفجير والتدمير والتمزق: ومن أين للسياب، تلك القوة التي يحتمل فيها المعول الحجري برنينه الشرس وهو يهوى على نبض الشاعر المرتج، فيدمر خياله، وهو مركز تصوراته واندياحاته، ثم ليقضي أمام عينيه على معالم حضارة يتعشقها الشاعر، ويتسربل أجواءَها: يتهدم برج بابل، وتقلع أبوابه، ويخلع آجرّه، وتحرق الجنائن المعلقة، وهكذا يقود"الرنين"المرعب إلى مجموعة أفعال تتصل به، وتتفرع عنه، يدمر -يهدم -يقلع- يخلع يحرق وكلها أصوات مفزعة تتداخل مع بعضها لتحدث عاصفة من الأصوات القاتلة والمدمرة.

ولنازك -كما للسياب- إحساس مرهف اتجاه ألفاظ الصوت، اسبغت عليها من روحها القلقة لما يمنحها تجسيدًا، تقول الشاعرة:

أصيخ إلى همسات اليمام ... وأسمع في الليل وقع المطرْ

وأنّات قمريةٍ في الظلام ... تغنّي على البعد بين الشجرْ

وآهات طاحونة من بعيد ... تنوح المساء وتشكو الكلالْ

تمر على مسمعي بالنشيد ... وتفتأ تصدح خلف التلالْ [3]

(1) ديوانه: أنشودة المطر، 1/ 412

(2) ديوانه شناشيل ابنة الجلبي 1/ 701

(3) ديوانها عاشقة الليل 1/ 577

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت